Home

السيرة الذاتية    

الإيبستيمولوجيا بحسب المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة والفكر
د . محمد رضوان حسن
EPISTEMOLOGY

هذه العبارة تعني بصورة عامة الدراسة النقدية للمعرفة العلمية ، وهذه الدراسة النقدية لها خصائص تجعلها متميزة عن غيرها من الدراسات النقدية ؛ كما أنّ هذه الدراسة النقدية لا تتناول بالضرورة المنهجيات العلمية. فهذه الاخيرة يدرسها علم خاص بها هو علم المنهجيات الذي هو جزء من علم المنطق. وحتى إنّ الإيبستيمولوجيا حين تَدْرس المعرفةَ العلمية فإنها لا تدركها إطلاقاً من اجل تحديد قوانين العلم تحديداً إفتراضياً او إستنتاجياً كما فعلت الفلسفة الوضعائية او التطوراني. النقد الذي تقوم به هو نقد للمبادئ والفرضيات والنتائج لمختلف العلوم بغية  تحديد اصولها المنطقية وقيمتها ودلالتها. وعلى هذا الاساس يجب ان نُميز بين الايبستيمولوجيا وبين نظرية المعرفة. ذلك ان الإيبستيمولوجيا تشكل المدخل والعقد الضروريين لنظرية المعرفة من ناحية انها تدرس المعرفة في تفاصيلها وتنوعاتها بتنوع العلوم اكثر مما تدركها في وحدتها المنهجية. اي ان الإيبستيولوجيا تتناول مختلف الشوؤن العلمية في تطبيقاتها وليس ابداً المناهج العلمية بصورة عامة ونظرية المعرفة تستدعي هيمنة الفلسفة على العلوم بحيث ان النظر في العلم يصبح فرعاً ثانوياً من فروع الفلسفة وليس علماً قائماً بذات إنه علينا ان نميز بين انواع مختلفة من الايبستيمولوجيا فهناك الإيبستميولوجيا التاريخية التي ابتدأت مع باشلار ونمت وتوسعت مع كافيتاس وكانفيلام وكواريه.
هذه الإيبستيمولوجيا تخطت الإيبستيمولوجيا التي نشأت وتوسعت مع دوهام  ومايارسون وبرونشفيك , فالنوع الاول من الايبسيمولوجيا اي الايبستيمولوجيا التاريخية تدرس تاريخ العلوم كوحدة متماسكة . ومن هنا كانت دراسة كانفيلام التي بحثت في تاريخ نشأة التصورات العلمية  لتعطي تاريخاً للعلوم الإيبسيمولوجيا . ولكنها هي هنا تختلف اختلافاً بيناً عن تاريخ العلوم بالمعني الوضعاني فهذه العبارة تاريخ العلوم يأخذ الصتورات العلمية كوقائع او ظواهر بينما الإيبستيمولوجيا تاخذ هذه الوقائع كأفكار . ذلك ان الواقعة او الظاهرة بالنسبة للمؤرخ هي واقعة حتى وإن كانت قد فهمت بشكل خاطئ بينما بالنسبة للإيبستيمولوجيا هي عقبة بكل فكرة مضاءة.
منذ باشلار ما توقفت الإيبستيمولوجيا عن ان تنحو نحواً تتخذ فيه مواقف ما دانية. فهي قد خضعت لتحولات مختلفة . فأمتزجت بميادين غير ميدان علوم الطبيعة . فكانت الإيبستيمولوجيا الرياضية عند توستان ديزانتي . ونجد لويس ألتوسير يمدد الإيبستموجيا ليجعلها تشمل الماوانية التاريخية التي قال بها كارل ماركس . ذلك ان بهذا الاخير وجد ميدان ثالث للإيبستيمولوجيا هو ميدان التاريخ بعد ان كان يوجد قبل ماركس ميدانان اثنان هما الميدان الرياضي عند اليونان والميدان الفيزيائي عند غاليليه.
الميادين إنما يخضع لصياغات تصورية تندفع دفعاً حثيثاً نحو التجيد والعمومية. فالمعرفة عند بياجيه هي سيروة ناشطة,هي بناء يقوم بالتفاعل بين الذات والموضوع ، والإيبستيمولوجيا النشوئية تنطلق من العقل التفاعل الذي هو الاساس في نشوء الفكر. الفكر بالنسبة لبياجه ليس شيئا آخر سوى استيطان تدريجي للأفعال . سيرورة عمليات متماسكة وتسير نحو نقطة مركزية نهايتهمن التوازن القابل للإرتداد ، ذلك ان تطور المعرفة في التاريخ هو في سيرورته الاساسية لا يختلف عن تطور المعرفة عند الطفل . وهذا التطور يطلق عليه بياجيه اسم "التجديد المنعكس ...reflechissante
فكل جهاز من الافكار او التعريفات يصبح في مرحلة ما موضوعاً للتفكير والجهاز الجديد الذي يتكون سرعان ما يتكون به جهاز آخر يندمج في الاجهزة السابقة لتنشأ بذلك حلقة كبرى من الاجهزة المنصهرة بعضها ببعض.
هذه الإبيستيمولوجيا النشوئية بالصفة التي تظهر بها تستدعي في الواقع منهجاً خاصاً بها يستلزم قيامه التعاضد بين منهج النقد التاريخي ومنهج علم النفس النشوئي. النقد التاريخي يقدم تطور الاجهزة الفكرية للعلم في مجرى تاريخه...ولكن هذا المنهج لا يستطيع ان يحصل الا على اشكال الفكر المصاغة والتي هي اشكال فكر العلماء في سيرورة التاريخية بينما المنهج العلم نفسي النشوئي يساعد على فهم نشوء الفكر في سيرورة التطور الفكري للفرد.
الإيبستيمولوجيا متشعبة إذن تشعباً واسعاً . والهم في ذلك هو انها تبقى في كل تشعباتها علماً قائماً بذاته له خصوصياته كما وتبقى مختلفة عن نظرية المعرفة وعن فلسفة العلوم وإن كانت أحياناً تختلط بهما عن عامة الناس.
*                                     *