Home

السيرة الذاتية    

ردّ الدكتورة سالم على الدكتور زيعور                           

               ( التعاون بين جامعة القاهرة و الجامعة اللّبنانية )
                                                                                                                                  الدكتور علي زيعور ، من الجامعة اللبنانية في بيروت ، غزرت بحوثه في تفسير الاساطير والقصص الشعبية من  على صفحاتنا .وأحد بحوثه ردت عليه  الدكتورة  نبيلة  سالم  ( القاهرة ) في  صفحتنا الثقافية – " النهار " . ثم رد   عليها الدكتور زيعور،وهنا رد منها عليه . 
         ( جريدة النهار
)

تعرفت على الزميل الدكتور علي زيعور في اثناء اقامتي العابرة في بيروت، من خلال كتاباته . وقد لمست فيه صفتي الطموح والاجتهاد في البحث، وهما صفتان ينبغي  ان تتوافرا في كل باحث اكاديمي، ان شئنا لأ بحاثنا الاكاديمية أن تسير قدماً.
وكنت على وشك ان اكتب مقالاًآخر في صدد ما كتبه الباحث في جريدة (النهار) في عدد الجمعة، 7/3، ولكنه بعد أن نشرمقالا رداً على مقالي الأول، أتاح لي فرصة الرد على المقالين في آن .
 وأود، قبل المضي في الرد، أن أوضح بعض البديهيات التي ينبغي أن لا تكون مثار خلاف بيننا. ونلخصها كما يأتي:
 أولاً: ان التعبير عن الجنس في شكل رموز انما يرد في جميع اشكال التعبير الانساني . وقد تكون هذه الرموز من الوضوح حيث تكشف عن نفسها بنفسها، وقد تكون مغلفة بالغموض بحيث لا يكشف عن كنهها في هذه الحالة سوى البحث الانتروبولوجي المقارن او التحليل النفسي اوكلاهما معاً. وفي هذه الحالة قد يتفق الباحثون وقد يختلفون.وان دل هذا الاختلاف على شيء فانّما مقدرة الانسان الفائقة على التعبير الى حد أنه يعرف - تمييزاًعن الحيوان- لا بأنه الحيوان الناطق، بل بانه الحيان الخالق للرمز .
 ثانياً:من البديهي كذلك ان تصادف- اذا كنت تمارس العلاج النفسي -حالات تعاني من الكبت الجنسي، وتكشف عن ذلك في سلوكها واحلامها .واذا كانت الأحلام ليست سوى رموز، فمن 

واجب المحلل النفسي ان يعثر على دلالات لهذه الرموز .
ثالثاً:انه من التعسف كل التعسف في الدراسات اللغوية ان نلزم انفسنا على الدوام بالبحث عن العلاقات المعنوية في الجذور المتشابهة الحروف، بحيث نتخذ من ذلك مقدمة تؤدي الى نتيجة حتمية .و حسبي ان أشير الى بعض الألفاظ التي تتفق في حروفها وتتباعد تماماً في معانيها، و من ذلك :حسن، ونحسن، وفتح وحتف، وفرس وسرف، و فرص ورفص  الى غير ذلك. رابعاً:ان التعبير الشعبي مجاله الشعب الذي يتناقل تراثه عبر الأجيال ،فيحّور فيه أو يغيّره،وقد يلغي بعض أشكال التعبير ويتناساها اذا كفت هذه الأشكال عن أن تؤدي وظيفة في حياته التي تتطور حضارياً. فالتعبير الشعبي ينبع من اهتمامات روحية متنوعة ومختلفة ، كما أنه له أشكاله المتعددة وخصائصه المميزة ،التي تختلف عن أشكال التعبير الأخرى. فمن الخطأ اذاًان نهمل هذه الاصول وان نأخذ بتفسير شكل من أشكال التعبير الشعبي ،سواء كان هذا التعبير مادياًاو ادبياً شفاهياً، من المنطق الصوفي .
وقد تسلم معي بالبديهيتين الاوليين،وان خيل اليك انهما موضع الخلاف بيننا،وقد تعارضني في البديهيتين الاخريين،وان: ندت عنك عبارات خاطفة تشير من بعيد الى تسليمك بهما.
    ورد في مقالك تاريخ 7/3 تحت العنوان "أسطورة و تفسيرها "تعليقك على القصة الشعبية التي أتيت بها فقلت "ربما يكون مصدر هذه الاستعارة هندياً ، وهذا ما أرجحه، لكني أعرف تماماً أنها شعبية لم نقرأها ، على حد علمي ،في كتاب . فهي تتناقل مشافهة بين الصغار على شكل أحجية للتسلية او لريازة الذكاء" . لكنك تعود بعد ذلك مباشرة فتقول :"وهي قصة تدل ، كما نرى ، على المعرفة الصوفية،نسجها الصوفيون للترميز (كذا)الى طريقتهم في المعرفة و مطلبهم في الحياة ".

ثلاثة

  فكيف نوفق اذن بين كون القصة نشأت في بيئة شعبية و كانت ملكاً للشعب، و بين كونها من ابتداع الصوفية ليدلو بها على مراحل تطورهم الروحي؟ثم أجدني مضطرة،وان طال المقال ،الى ان اسرد عليك اصل هذه القصة لترى ان كلمة "السفينة" التي هي رمز الى النفس- وفقاً لتأويلك او تأويل الصوفية - +لم ترد في النص الاصلي للرواية .اذ جاء الى الملك ثلاثة من الرجال على قدرٍ واحدٍ من الكفاءة ليخطبوا ابنته،فحار الملك في من يختار منهم زوجاً لابنته.و من ثم طلب منهم ان يجلب اليه كل واحد منهم أغرب ما يصادف،وعند ذلك تكون ابنته زوجة لمن يحصل على أغرب الأشياء.فرحل الرجال الثلاثة ،وحصل الاول على المرآة السحرية التي تكشف للانسان عن الأشياء البعيدة .وحصل الثاني على بساط سحري،(وليس على سفينة كما ذكرت)من يركبه ينقله الى أبعد الأماكن في لحظة،وحصل الثالث على ليمونة ،اذا عصرت في فم مريض شفي. فلما نظر الأول في المرآة أبصر ابنة الملك تعاني الام المرض(وليست نائمة كما ذكرت).فركب الجميع البساط السحري الذي نقلهم اليها في لحظة.وهناك عصر الرجل الثالث اليمونة في فم ابنة الملك فشفيت.وهنا برز السؤال المحير:لمن تكون ابنة الملك؟وكان الجواب انها للشخص صاحب الليمونة،لانه فقد ليمونته السحرية ،في حين احتفظ الاخران بما حصلا عليه.
وأظنك تسلم معي بأن البساط السحري"موتيف" شعبي مألوف.هذا فضلاً عن أن الرجال الثلاثة لم يكونوا ليدركوا الفتاة حية ،لو انهم رحلوا اليها في سفينة، ولكن وفقاً لمنطق الخيال الشعبي،كان ينبغي عليهم ان يمثلوا لديها في لحظة بواسطة البساط السحري.فكيف نفسر اذن رمز البساط السحري في نطاق التفسير الصوفي؟وهل يمكننا ان نفسر في التأويل فنرى البساط يشير الى حالة "البسط" التي تقابل حالة "القبض" عند الصوفية ؟
أما القصة الثانية التي لم تأت بها كاملة،والتي وردت في ترجمتي لكتاب "الحكاية الخرافية" في فصل القصص الهندي، فتقول:ان شخصاً نحت تمثالاً لامرأة في شجرة،وجاء شخص ثانٍ فشكل ملامحها، ثم جاء ثالث فزينها، وجاء رابع فنفخ فيها الروح فدبت فيها الحياة .ثم يجيء السؤال المحير بعد ذلك :الى من اذاً تنتسب الفتاة؟ اما الجواب فهو ان الذي نحتها هو أبوها، والذي أعطاها الملامح هو أمها، والذي زينها هو معلمها ،والذي نفخ فيها الروح هو زوجها . وهكذا فسر الهنود أنفسهم تلك الاحجية دون تأويل صوفي .
فاذا اضفنا الى كل هذا ان القصتين تنتميان الى نمط معين من القصص الشعبي يطلق عليهاحكايات الالغاز، وان اللغز شكل من أشكال التعبير الشعبي له بواعثه ووظيفته(انظر فصل اللغز الشعبي في كتابي" أشكال التعبير في الادب الشعبي" ) انتهينا الى أنك بتفسيرك الصوفي للقصتين ، عزلتهما عزلاً تاماً عن مجالهما الطبيعي ووضعتهما في اطار ضيق من التفسير الجامد المتكلف.
ثم أعود فأتساءل : الم ينح المتصوفة انفسهم هذا المنحى عندما اولوا كل شيء على هواهم تأييداً لنظرياتهم ؟ ألم يؤول ابن عربي في تفسيره ،شخصية ابرهة الحبشي في قصة أصحاب الفيل، بانه النفس المظلمة، التي قصدت الى تخريب كعبة القلب ،وصرف حجاج القوى الروحانية الى الطبيعة الجسمانية ؟بل ألم يؤول قصة يوسف على نحو يبعدها كل البعد عن اصلها التاريخي، فقال :ان يوسف يمثل القلب الموموق عند ابيه يعقوب الذي يمثل العقل . وحسده اخوته وهم يمثلون الحواس الخمس الظاهرة، والحواس الخمسة الباطنة ،والغضب والشهوة ، الا الذاكرة ، فانها لا تحسده ولا تقصد به سواء.وبذلك يكون عدد الحواس احدى عشرة حاسة عدد اخوة يوسف. ويكون المعنى عندئذ ان الحواس لا تريد من يوسف (القلب) الا استخدامه في اللذات البدنية. وأما اخو يوسف الأصغر،الذي أحبه أبوه (العقل)، فهو يمثل( القوة العاقلة العملية)،وهو اخوه من امه راحيل ( النفس اللوامة ) التي تزوجها يعقوب (العقل ) بعد وفاة اليا (النفس الأمارة بالسوء).
ولكن اذا كنا نقبل هذا التفسير بوصفه ممثلاً لاتجاه من الاتجاهات الفكرية
الاسلامية، فاننا لا نرى اليوم ان هناك مبرراًعلمياً يلزمنا أن نفعل هذا الفعل.
ولئن انتقلنا الى البديهية الثالثة،التي نرى بمقتضاهاأن الجذور اللغوية المتشابهة الحروف لا تؤدي في الضرورة الى علاقات معنوية متشابهة،فأننا مازلنا نؤكد ان عدم التسليم بهذه البديهية يعرضنا الى مزلق الوقوع في هذه المتناقضات. ألم تفسر أنت السفينة في مقالك عن الودع بأنها رمز جنسي.وارتضينا منك هذا التفسير، ثم عدت وفسرتها في مقالك قبل الاخير،بأنها رمز الى النفس؟والحجة عندك أن سفن هي نفس مقلوبة. فأي التفسيرين نرجح الان للسفينة:السفينة بوصفها رمزاً جنسياًأم بوصفها رمزاً روحياً؟وهما تفسيران متناقضان كل التناقض. وقد يكون للرمز أكثر من مغزى،كما سلمنا بذلك في بداية المقال، ولكن لا يصدر عن كاتب واحد تفسيران متناقضان لشيء واحد .
ثم أراك تؤيد تفسير ابن سيرين للاحلام في قوله.ان من يحلم بالسفرجل، فان هذا يعني انه سيقوم بسفر،لا لشيء الا لأن كلمة سفرجل تتضمن كلمة" سفر"، وان من يحلم بالكمثرى فانه يصبح ثرياً، لا لشيء الا لأن كلمة "مثرى" فيها تدل على الثراء. على أننا ، بهذه الطريقة العجيبة نفسها ،نستطيع كذلك أن نرى أن كلمة "كمثرى" رمز الى الموت،حيث أنها تتضمن كلمة "ثرى" أي التراب .وعندئذ نطون انتقلنا من النظر العلمي الى طريقة لا تمت الى العلم بصلة .
الا ترى معي انه أمتهان حقاً للعلم اذا وضعنا ابن سيرين ، باتجاهه هذا في تفسير الاحلام، في مصافي الباحثين العلماء؟
  وبعد فلست  ضد التأويلات الجنسية على الاطلاق ،فما أكثر الرموز الجنسية في اشكال للتعبير الانساني،الشعبي منه وغير الشعبي ،كما أنني لست ضد الاستعانة بالتحليل اللغوي اذا تطلب البحث العلمي ذلك ،لكنني ضد أن نبدأ بالنتيجة ،وان نستخدم في سبيل دعمها براهين تعسفية تفقجنا رؤية الاشياء في مجالها الطبيعي رؤية كلية .ولقد وفقت في تفسير الزعفران الذي التقطه الجنيد ليلة عرس ، تفسيراً جنسياً. فأنت في هذه الحالة فقط، لم تخرج التفسير الشعبي عن طبيعته، واعتبرته الاصل ،وهو الاصل حقاً، في تفسيرك لرمز ورثه الجنيد بوصه فرداً من أفراد الشعب،لا بوصفه صوفياً .   
  كما لا أخفي اعجابي بمقال نشر في جريدة " النهار "عن محاولة تفسير كلمتي "تعشير وعشار" وهما تستخدمان في ريفنا وريفكم،من خلال عبادة عشتروت ،وان لم تعرف عبادة عشتروت في مصر .اذ حاول الباحث أن يفسر الكلمتين من خلال أبعادهما الانتروبولوجية الاولى ، فكان الربط متناسقاً واضحاً.وقد يأتي باحث آخر فيجد لذلك تفسيراً آخراً، ولكن هذا لا ينفي جهد الباحث الاول واجتهاده .
   أما المزعمتان (كذا) اللتان تتهمني بزعمهما ، فهما ليستا مزعمتي ، بل من التراث العربي الجاهلي . وكنت أريد أن أشير بحادثة العزى التي وجدها خالد بن الوليد نافشة شعرها ، تصرف بأنيابها (وربما كانت الحكاية من قبيل الروايات الشعبية )-ان أشير الى الالهة التي تعبد بوصفها رمزاً مفزعا ًللالمعندما يقتصر دورها على الالتهام والافزاع . (انظر "نهاية الارب) للنويري ص2 ص221).  
اما ما ذكرته في ردي عليك من ان العرب كانوا في الجاهلية يعلقون كعب أرنب على صدر الطفل لابعاد الجن عنه ، فتفسير هذا ان الارنب تحيض ، وان الجن تنفر من ذلك وفقاً لاعتقادهم .ولعبت الارنب دوراً بارزاً في تراث الشعوب البدائية يصفه عامة ، وهو مبحث يستحق التأمل . وفي هذا يمدنا كتاب "الفولكلور في العهد القديم" لجيمس فريزر ، بمعلومات قومية .(انظر الترجمة لكتابه المقال ، الفصل الاول من الجزء الاول ) .

الدكتورة نبيلة ابراهيم سالم  
 ( استاذة في كلية الاداب- جامعة القاهرة )