Home

السيرة الذاتية    

عودة الثقة بالنفس داخل الفكر العربي وفي الجامعات العربية

زياره ثالثه للدكتور علي زيعورولقوله عن " مدرسة عربية في علم الاجتماع"
                                                                                              
محيي الدين بلوز


حديث طويل جرى بيني وبين صديق ، بينما نحن نرشف فنجان قهوة في مكان هادئ بعد عناء العمل الطويل ، نتأمل غروب الشمس ...
والحديث عن كتاب " الدراسة النفسية الاجتماعية بالعيّنة للذات العربية" للدكتور علي زيعور .
قال صديقي بهدوء :

ـ حاول الدكتور علي زيعور أن يكون صادقاً في التعبير عن قناعةٍ تتصور أنّ بناء القوة الذاتية وإستعادة الثقة بالنفس هما الأساس لأيّ تقدمٍ في هذه الحقبة المزدحمة بوجهات نظرٍ كثيرة متشابكة ومتباينة وبهما معاً نستطيع أن ندير علاقاتنا بالعالم وبالتاريخ . وقال أيضاً في هدوء الواثق من نفسه :
ـ وطريقته في العرض شيّقهّ ، وبحثه هو توصيف لثلاثِ قرى ... عمل جهده لأن يكون دقيقاً وموثّقاً وبالأرقام . بدأها بإعداد نظرةٍ مجملية وشاملة بواسطة جولةٍ عامة وتماسّ كلي وادراك حسي معروض امام العين المجردة. وجمع معطياتٍ وحلّل واستنتج ودخل مباشرة في مميزات القرية والتي يغلب عليها النشاط الزراعي ، ونقصٌ في الخبرة وفي التجهيز مع ميل واضح الى العزلة وضعفٍ في النشاطات الاجتماعية وإنقفالٍ وميلٍ الى المحافظة والتمسك بالتقاليد والدين، مع مقاومةٍ لكل ما هو جديد ، واسرة متسلّطة على القرية ، مع ضغوطاتِ تقاليد عشائريةٍ تجعل دور الدولة والقانون مخلخلاً مع بُعْدٍ عن مشاعر الانتماء والولاء للدولة ، مع لحظ بساطةِ الحياة وعدم تعقّيد الظواهر والنظم والاساليب .فالجماعة تخطط والفرد ينفذ دون مبادرة. فالقرية العربية عميقة التخلف ، لا تخرج من كونها كتلةً من الفقر والجهل والمستويات المعيشية الدونية.
قلت في حدة :
ـ إنّ كتاب الدكتور علي زيعور هو  ضربٌ من صراع النفس ، ما عرضه هو تجلّيات السطح وليس هي مكنون الأعماق. الكتاب وضع بعد أكثر من ثلاثين سنة من التجربة. وهو يمثل بحثاً ميدانياً عن اوضاع كانت  سائدة حينها. انه صورة فوتوغرافية تمثل وقائع في زمانٍ محدود ومكانٍ محدود . والصورة الفوتوغرافية هي في حقيقة أمرها تجميد لومضة من الزمان ، ولكن الزمان لا يتجمد بعد هذه الومضة ، انه يتحرك ويتغير ويتطور طالما بقي في الحياة نبض يدقّ .
وقلتُ أيضاً في حماس :
ـ إنّ كتابه لا يمكن ان يحرز تقدماً جوهرياً في تغيير الواقع والتغلب على التخلف طالما هو يلقي الضوء على العوامل الداخلية فقط . فالتخلف وآثاره على الذات والمجتمع ليس وليد الصدفة بل ارتبط تاريخياً بنشأة ونموّ النظام الرأسمالي العالمي .
وقلت بروية وكأني أزن كل كلمة :
ـ إن كتابه هو محاولة لدراسة مشكلات المجتمع العربي بنفس الطريقة التي تعالج بها مشكلات المجتمعات الاميركية والغربية . وهذا الاتجاه ينطوي على خطأ بالغ لأن التاريخ الاجتماعي لهذه البلاد قصير الأمد ومعظم نظمها واوضاعها مستحدثة ، أما تاريخنا الاجتماعي فعلى العكس من ذلك يمتد الى عصور سحيقة ويستمد مقوماته من صراع عنيف عاصر البشرية منذ فجر نشأتها . ولذلك لابد أن نرجع الى هذا التاريخ عند دراسة مجتمعاتنا فهذا الرجوع يفيد في الوصول الى بعض التعميمات التي يمكن ان تساعد في توجيه الدراسات كما انه يفيد في اختيار بعض النظريات .
قال لي الصديق وهو ينفث دخان سيجارته كأنه ينفث عذابه :
ـ لا يمكن تحميل عبء نشأة ونموّ التخلف عندنا  للعلاقات الدولية فقط، بل ينبغي الوعي بتواجد عوامل داخلية مساعدة متضافرة مع العوامل الخارجية انتجت وعمقت هذا التخلف .
وقال ايضاً :
ـ أنا مع الدكتور زيعور ، إذْ يجب معالجة مشكلة التخلف والذات وجروحاتها في اطارها المجتمعي الذي نشأت فيه .
وقال وهو ينظر بعيداً كأنه يحادث نفسه :
ـ إن رغبة الدكتور علي زيعور ان يرى المستقبل العربي حاضراً في العالمية ومتحداً ايجابياً في تكيّفه مع العالم الصناعي .
واضاف وهو يتحدث بلهجة العالم الخبير :
ـ إنّ كتابه يبدأ بدراسة عميقة على الطريقه الاميركية ، دراسه وصفية ميدانية، انه تحليل صغروي لقرية بلغة الاحصاءات والارقام والمقابلات. إنه دراسة نفسية اجتماعية ، إنه منتَج فكري ميداني يهدف الى فهم المواطن العربي ، وما العيب في الانطلاق من ميدانٍ واقعي محدّد وأرضيّة جغرافية اجتماعية وثقافية وانتاجية للوصول الى الكلية الكبرى للدول العربية القائمة .
قلتُ وكأني ألقي محاضرة :
ـ إنّ كتاب الدكتور علي زيعور لا يتعرض الاهامشياً للأسباب الحقيقية وراء نشوء التخلف وتأثيره على الذات الانسانية. انّ محاولته فشلت في ان تضيف جديداً او تقدم حلولا لأنها تمثل جزءاً لا يتجزأ من حضارة الغرب الصناعي .
وقلت أيضاً :
ـ إن المدارس الاميركية السائدة تعالج بإسهاب وبمعطياتٍ إحصائيةٍ ايضاحيةٍ دور وتأثير العوامل الداخلية المنفردة وطريقة عملها. أمّا دور العوامل العاملية الخارجية السلبي فهو مهمل كثيراً.
وقلت وكأني ألقي موعظة :
ـ لا يمكن معالجة العوامل الداخلية بصورة معزولة . ما يفتقده كتاب الدكتور علي زيعور هو المسح التاريخي التحليلي لاسباب جروحات النفس وخصائصها الداخلية واشكال علاقات التبعية والتركيب الداخلي لنظام التخلف وللالية التي تعيد انتاجه .
وقلت على سبيل القطع واليقين :

ـ إنّ النتائج القائمة على اساس المؤشرات الاحصائية لا يمكن ان تكشف الخصائص الاجتماعية الاساسية التي تتسم بها البلدان المختلّفة طالما انها تطمس الفوارق النوعية بالتشابهات الكمية .
وقلت على سبيل زيادة الايضاح :
ـ إنّ الابحاث التي تفسر التأخر بمختلف العراقيل الداخلية والعقبات التي تعترض التقدم له ،هي أبحاث غير تاريخية وتترك  سؤالاً بدون حل : لماذا لم تعمل العوامل الكابحة بالنسبة للبلدان المتطورة.
وقلت في برود:
ـ إن الدكتور زيعور يغفل الفرق الجوهري بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية ، بين الظروف الداخلية والظروف الخارجية والعالمية التي تواكب التطور الداخلي .
قال صديقي مبهوراً كانه اكتشف شيئاً :

ـ إن علاقة التبعية بالغرب لا تعني التخلف كما انّ قطع هذه العلاقة لا تعني التقدم ، إن العوامل الداخلية هي سبب بطء النمو حتى في حالة غياب اية سيطرة اجنبية فاليمن الشمالي مثلاً بقي دولة متخلفة بل اكثر تخلفاً رغم انها لم تخضع للسيطرة الاجنبية بواسطة القوى الامبريالية .
ثم قال مبتسماً في إشفاق :
ـ إنّ هزيمه 67 هي صياغة حضارية لسقوط تجربة اجتماعية  ذبحها أولاً واصلاً الاسلوب البيروقراطي في الحكم مهما تعددت الأسباب الخارجية من عربيةٍ ودوليةٍ بين المقدمات والنتائج.
ثم قال :
ـ إنّ اهتمام الدكتور علي زيعور هو توجيه علم النفس وعلم الاجتماع نحو الانصباب على قطاعات محددةٍ في الشخصية وفي المجتمع ، هدف الكتاب هو التعاطي مع الانجراحات والشعور بالصحة والرضى . الدكتور زيعور يتعامل مع الذات العربية كزبون ويعمل على خروجها من السبات والدخول الى اليقظة ،  وعلى الانتقال من اللاوعي الى الوعي، ومن الغريزية الى العقل، ومن الظلام الى النور .
وقال في حدة :
ـ اننا نعلم ونعي ان الدول المتخلّفة هي ضحية نشاط الشركات الدولية الكبرى المتعددة الجنسية ، ضحية اجهزة المخابرات ، ضحية الحرب النفسية ، ضحية الحصار الاقتصادي ، ضحية نهب المواد الخام واحتكار التكنولوجيا ، ضحية مؤامرات الارهاب والقتل ، ومؤامرات الفساد والافساد . ذلك صحيح، ويُذكَر اكثر منه . ولكن علينا الاعتراف بأن مجتمعاتنا جانية على نفسها الى جانب كونها ضحية جنايتها على نفسها بعجزها  عن فهم حقيقة نفسها وحقيقة غيرها وحقائق العصر .
وقال من خلال ابتسامة :
ـ إنّ المعركة ضد التخلف وضد اسرائيل هي في الدرجة الاولى معركة داخلية لإعادة الحيوية والابتداع الى جسم الشعب والفرد ، ومعركة لرفع المستوى العلمي والمستوى التنظيمي .
وقال ببهجة المنتصر :

ـ إنني واحد مع الدكتور زيعور في أن طريق التغيير هو التكيف الابداعي مع حضارة الصناعة ومواكباتها السلوكية والتوجيهية.
وقال في بهجة صادقة :
ـ إن كتابه يشكّل دعوة للثورة على الفقر والتخلف والحرمان ، لقد وعى الناس مشكلتهم لكنهم لا يعرفون جيداً الطريق ، التوتر موجود والاتزان الانفعالي المسبب للسعادة وللشعور بالاستقرار غير موجود .
والوضع لن يطول على ذلك الحال. فمن هنا تنشأ الاضطرابات العصابية: من عدم التلاؤم بين الانا وبين الحقل الاجتماعي .
وقال :
ـ إنّ كل ما يطلبه الدكتور زيعور هو التغيير. وعن طريق تشخيص المشاكل يمكن التوصّل الى الشفاء .
وأضاف جاداً :
ـ إن البكاء على الأطلال عقيم ومهين ، فالماضي لا يعود، والتجارب لا تستعاد، والزمن يتغير بإستمرار وهذه سنّة الحياة .
وقال :
ـ إن منهج الدكتور زيعور مُسرِّع واقرب الى الميداني. والعقلاني يعتمد الطرائق التجريبية ، ينصبّ على الجزئي والواقعي والراهن المتجذّر في التاريخ والتطبيق ، ويقوم على جمعِ معطياتٍ كميةٍ ورسومٍ بيانية ؛ وهو ما اختص به علم الاجتماع الاميركي .
وقال أيضاً :
ـ إنّ الاهمية الاولى الكبرى يجب ان تعطى للحقل الذي له قدرة طاغية في توجيه الذات أو في سلوكية الفرد . والعوامل الخارجية هي عوامل مساعدة أو معرقلة ، وليست عوامل حاسمة .
وأضاف :
ـ لا خوف على هويتنا من التحولات والصراعات بين القيم . فالأهم هو المجابهة وليس الخدر والاحتماء والنكوص الى حصون القرية ودفاعاتها ضد الحضارة والتكنولوجيا .
وأضاف:
ـ أتدري ؟ اعجبتُ كثيراً بتواضع الدكتور علي زيعور عندما يتساءل في كتابه عن  مدى تعبير دراسة عيّنةٍ مهما كانت دراسةً مستوعبة عن احوال شعب وشعوب وطن واوطان مجتمع ومجتمعات . وكان جوابه ان محاولته هي نموذج ، طريق ، تعبير من تعبيرات مختلفة .
قلتُ وعلى شفتيّ ابتسامة :
ـ خطأ الدكتور زيعور انه يحاول اسقاط تجربة نمو المجتمعات الاوروبية او الاميركية على جميع المجتمعات البشرية متوهما انه سيخرج بنظريةٍ عامة .
وقلتُ وأنا أتنهد في حسرةٍ وأسى :
ـ إنّ الدكتور زيعور يُهمل أثر العلاقات الدولية في نشأة التخلف . خطورة هذا المنهج أنه يؤدّي إلى رؤيةٍ محطّمة للتقدم حيث ينتهي الى اعتبار التقدّم مرادفاً للتحديث ـ الغربنة .

وقلت ايضاً غاضبأ :
ـ هل يجب التذكير بأن ابراز معيقٍ للتنمية في الوطن العربي في الوقت الراهن هو الصراع الشرس المدمّر الذي يجري حالياً بين القوى الأمبريالية بأستخدام القوى الضاربة في اسرائيل وانهزامية الحكام العرب لإعادة التبعية الاقتصادية وفرضها على الوطن العربي ... لقد أدركت هذه القوى الامكانيات الاقتصادية والإستراتيجية الهائلة التي يملكها هذا الوطن والتي تؤهله لأن يكون قوة عظمى اذا أحسن استخدام هذه الامكانيات وامكن تنميتها وفقاً للأسس الاقتصادية الصحيحة وتبعاً للمفاهيم العلمية الحديثة .
وقلت أيضاً :
ـ لا يجب أن ننس مدى تأثير الخارج في خَلْق حكومات ضعيفة.وما يؤدي ذلك الى اتجاه النمو الاقتصادي للبلدان المتخلفة ونُظمُها الاجتماعية والدستورية وتطويرها الحضاري الى السيطرة والتأثير المباشر للقوى الأجنبية. حتى انّ حدود البلاد في حالات عديدة رسمت مِن قِبلَهم بصورةٍ مصطنعة .
وقلت :
ـ ولا يجب ان ننسى انّ المسؤولية ايضاً تقع على عاتق الطبقات التي قاومت وأسست سلطتها وثروتها وارتكزت على اضطهادها وإستغلالها لشعوبها .
وقلت أيضاً :
إن الرأسمال الاحتكاري الاجنبي هو المسؤول عن تشويه الذات العربية وهناتها وانجراحاتها وعن توتّرها واغترابها ورضاتها. وطبعاً لا انوي او اسعى الى استصغار شأن العوامل الداخلية ابداً وكل ما أرمي اليه هو الاشارة الى انّ العوامل الداخلية لوحدها لا تقدم تفسيراً مُرْضياً ومنطقياً ومبرراً لحالة المجتمع والفرد . والدليل ان ابرز الخصائص في الذات هي ناشئة عن تأثير القوى الخارجية العالمية .
وقلت أيضا :
ـ أنا شخصٌ ضد الدكتور زيعور إذ ليس امراً صحياً أنْ نتفحص تطور المجتمعات بأخذها منفردةً على اساس سلوكيات الفرد وحدها . انّ فكرةَ من القرية إلى الوطن ، ومن الجزء إلى الكل ، ومناهج المدارس الاميركية في الاستقصاء من مسحٍ وجمع وثائق وتقميش معلومات واستخلاص احكام وتقديم آراء لا تعطي صورةً واضحة وتقسيراً منطقياً عن تطور لا الفرد ولا المجتمع .
قطلتُ وعلى قسَمات وجهي علامات الجدّ :
وقلت أيضاً :
ـ إنّ الوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلدان النامية ليس مجرد تخلّف او محض علامة على عدم اشتراكها في التطور او تلكؤها في مجرى التقدم بل هي ثمرة تطور خاص وثيق الارتباط والصلة بتطور الاقتصاد الرأسمالي العالمي بل هو بالأحرى ناشئ عنه. ولهذا فإنّ تحليل تطور هذا الأخير هو الشيء الوحيد الذي يقدم لنا مفتاح فهم الوضع الحاضر للبلدان النامية ومعضلات نموها وكذلك الفرد وما يعانيه .
ـ من هنا لا بد من تحليل الوضع الراهن للبلدان النامية من الناحيتين التاريخية والإقليمية، لتفحّصَ الرأسمالية وتقييمها وإذا أردنا توخّي الدقة نقول بفحص الاقتصاد الرأسمالي العالمي وتقسيم العمل فيه .
وقلت بثقة :
ـ أي دراسة لا تتطرق الى الأحوال الإقليمية ولا الى الأحوال العالمية الفاعلة المؤثرة هي دراسة منقوصه. واكبر خطأ عند الدكتور زيعور هو اعتقاده بأنّ الداخل هو الأهم والأولى .
وقلت أيضا :
ـ هناك عوامل حاكمة في التطور الإنساني مهما تغيرت العصور... وهي ثلاث : المكان والزمان والبشر .المكان يعني الأرض والموقع والمناخ والموارد .
والزمان يعني تواريخ الشعوب والحضارات والصراعات والأفكار والعلوم .
والبشر يعني نشأة المجتمعات وعلاقاتها في الداخل ومع الآخرين، بما في ذلك عوامل القوة والثروة وتبادل المنافع والنمو والتراكم والمنافسة .
وقلتُ وانا معقّد الحاجبين متزمت الشفتَينْ :
ـ ان الدكتور زيعور فشل في ترويج المنهج التجريبي والمنهج الشمولي. وكتابه لا يخرج عن كونه دراسةً ذات طابع وصفي تقريري يعتمد على ما يشبه الريبورتاج في تحليل الظواهر النفسية والاجتماعية. فهو يصفها دون ان يفسرها ، انه تقرير وصفي للواقع وليس تحليلاً ... انه لقطة فوتوغرافية ... صورة ... لا أكثر ولا أقل . انه سوسيوغرافيا .
وقلت متابعاً الهجوم :
ـ انه يركّز على تصدع المجتمع من خلال إلقاء الضوء على الخصائص السيكولوجية للأفراد والدعوة الى تغيير عادات الناس وقيمهم وسيكولوجيتهم ونظرتهم الى الحياة وأدوارهم الاجتماعية . ولكنْ إنّ أيّ محاولة ـ  مهما بلغ استقامة القصد ـ  لا تستند الى فهم عميق لتاريخ المجتمع والعملية التاريخية التي جعلت منه مجتمعاً متخلّفاً وإنّ أية محاولاتٍ نظرية لا تنفذ الى العمق التاريخي للمجتمعات المتخلّفة لا بد وان تكون سطحية ولا تستطيع بالتالي ان تقدم لنا رؤية شاملة لمستقبل هذه المجتمعات مهما  ارتدت من عباراتٍ فخمةٍ وكلماتٍ فصيحةٍ وبليغة .
قال لي الصديق بمزيج من ابتسامة ونصف تنهيدة :
ـ إنّ أفكارك سقطت مع سقوط جدار برلين .
وأضاف مبتسماً :
ـ دعنا نتفق أنّ اختلاف التصورات مفيد في البحث عن الحقيقة .
قلت مقاطعاً وأنا أضحك :
ـ كفى ... دوّختني وأوجعت رأسي ... المهم إننا تمتعنا بإعادة قراءة هذا الكتاب بعد أكثر من ثلاثين عاماً من  ظهور القول بمدرسة عربية راهنة في علم الاجتماع، وفي الإناسة والتنمويات . وانْ تعبت ... بخاطرك .
قال بلا اهتمام وهو يزمزم أنفاسه في زهق :
ـ مع السلامة... القهوة على حسابي .

وصفّق ينادي الجرسون .