Home

السيرة الذاتية    


التحليل النفسي للذات العربية في زيارةٍ جديدة


1ـ عرفتُ الدكتور علي زيعور من خلال كتبه. عرفته دون أن التقيه عندما كنتُ طالباً في الجامعة . معلوماتي عنه أنه كاتب وباحث يتبوأ مكاناً مرموقاً ، ومكانةً بارزة ، في عالم الفكر والمعرفة وفي اختصاصه بالتحليل النفسي والنفسي والعلاج.
ولعل المصادفة ساقتني الى مؤلفه "التحليل النفسي للذات العربية" ( ج 1 ) في العام  1980... بحماسٍ واندفاع قرأته، وبعد الانتهاء منه أصبحتُ أكنّ للمؤلف أعظم الإعجاب دون ان اتعرف عليه شخصياً.
كان بينه وبيني اختلاف في الرأي، بالرغم من التباين في المستوى: فأنا يومها كنت طالباً وهو كان استاذا جامعياً وكاتبا .
كان الخلاف في الرؤية والمنهج فقد بدا لي وقتها أنه لم يكن مصيباً في توصيفه للذات العربية . وهذا ما دفعني لجعل كتابه موضوعاً لرسالةٍ جامعية قدمتها في سنة 1980 كانت مواقفي النقدية من الكتاب ملخصها أنّ الذات العربية لا يمكن كشف عقدها الدفينة ورواسبها الكامنة على طريقة التحليل النفسي ، لانّ التاريخ سياق ممتدّ متصل وبالتالي فإنّ التركيب الاجتماعي والاقتصادي هو الذي يحدد الملامح والحركة.وهذا كله،
دون أن ننسى الصراع القائم بين الامة العربية وقوى الاستعمار العالمي ، ودور إسرائيل في المنطقة والتي تلعب دور الطليعة المتقدمة لهذه القوى اضافة الى احلامها الصهيونية الخاصة بها.
إن الأمة العربية منذ انهيارالأمبراطورية العثمانية حاولت أن تنشىء نظامها القومي المستقل والحر في هذه المنطقة ، ولكن الاستعمار اسرع بعد الحرب العالمية الاولى الى تقسيم شعوبها تحقيقاً لمطامع قديمة  من ناحية ،وخشيته من نشؤ قوة جديدة مستقلة وقوية في هذه المنطقة المتميزة بموقعها الاستراتيجي وثرواتها خصوصاً البترول ـ من ناحية اخرى.
وظلت المنطقة بؤرة تفاعلاتٍ حتى الحرب العالمية الثانية، وبعدها وجدنا الامة العربية تحاول العودة الى حلم وحدتها في وجه معارضةٍ استعماريةٍ ضارية وشرسة. في هذه الفترة تحول وعد بلفور الى حقيقة واقعة.
وهنا برز دور اسرائيل كمركز استعماري متقدم. وبعد صراع مرير ، خرجت الامة العربية بعدمعارك 1967 من التجربة المرة ممزقة المشاعر، مشتئة الافكار لا تكاد تستوعب ما حدث، ولا تكاد تجد لنفسها طريقاً واضحاً بعده.
كانت الذات العربية في مأزق فعلي ، وفي وضعٍ دفاعي . كانت تتفكك وتتشرذم ويذهب اطرافها وأجزاؤها كل في إتجاه .
كان الرأي أن هذه العوامل هي الفاعلة والمؤثرة في صياغة الذات العربية ولا يمكن تجاهلها وتغييبها عندما نريد ان نحلل وندرس ونعالج.
*                  *
2ـ أما الرأي الدكتور زيعور فكان ينمحور حول ان الامة العربية واجهت مشاكل كثيرة عانت منها وتركت آثاراً ورواسب وتداعيات تراكمت بعضها فوق بعض، وتفاعلت في اعماق الذات العربية. وكان نتيجة هذا التفاعل بروز عقدٍ نفسية ومشاعر بالمرارة والاحباط حاول ان يحللها على طريقة التحليل النفسي. فعاملها كزبونٍ، واحضرها وجعلها تسترخي على مقعد مريح واسدل الستائر ليسود غرفة التحليل هدوء وظلام. وجعلها تتكلم وتتكلم وتتكلم حتى طفت العقُد النفسيةُ وظهرت الرواسب ثم تسلسلت الافكار في كتاب الدكتور زيعور وتداعت . وعدّ على اصابعه حتى الثمانية. ثمانية عقدٍ وردودِ فعلٍ صاحبت وتصاحب هذه الذات، وطَبعتْ وتطبع كل سلوكها وتصرفاتها . وهي على النحو التالي:
1 – عدم التوازن بين الذات العربية وحقلها.
2 – الخلل في الصحة الانفعالية.
3 – عدم الشعور بالرضى عن النفس والمجتمع.
4 – الشعور بالعجز والقلق والخوف وعدم الإنتماءالى مستقبلٍ يحمي ويستقل.
5 – النكوص الى الماضي والاحتماء بالام ( التراث).
6 – عقدة النقص تجاه الاجنبي.
7 – عدم الثقة بالنفس.
8 – سؤ المردود وضعف الناتج في المؤسسات.
وحصر المشاكل التي تعاني منها الذاتُ العربية بالتحدي الغربي لها من مداخل الاقتصاد المتقدم والقوة المتفوقة والفكر الفلسفي والتيارات الليبرالية والاشتراكية.
ويحدد اسباب الاخفاقات ومشاعر اليأس والاحباط الى ما ملخصه :
1 – الظروف                            2 – الاستعمار
ولم يردّ  الامر الى القضاء والقدر.
*                      *
3ـ وسلط الاضواء بعد ذلك على البيئة العربية التقليدية، وكذلك على العائلة المهجنة وليدة التأثير الغربي ذات المظهر المتطور والمتقدم والمحتوى التقليدي المتخلف.
وقارن بين النمط التقليدي والنمط المتجدد: فالاول يتميز بسيطرة القدرية والتواكليه والاغاني الحزينة المشبعة بالاحساس والضعف وتعذيب النفس والنزوع نحو الداخل والانطواء على النفس.أمّا النمط  بين الثاني فتميز بالاناقة في المظهر وسماكة القناع الاجتماعي، مع إحساسٍ بعقدة النقص تجاه الاجنبي أو بعقدة الحسد وحتى بعقدة الخصاء.
يرسم في النهاية صورةٍ عن مجتمعنا حدودها الاعراف والتقاليد، وتخومها الطوائف التي تلغي دور الجماهير الموحدة والسير  نحو المواطنية والعلمنة في المؤسسات والدولة.
هذا المجتمع هو مجتمع جامد ساكن على نقيض مجتمع التحول والصيرورة. وطريق الشفاء هو التحرر من الماضي . لان حضور الماضي في حاضر المجتمع هو احد اسباب التخلف والعجز عن مواكبة الحضارة المعاصرة ومستلزمات الحداثة والتقدم.
فالذات العربية عليها ان تكتفي وتنتهي من حكايات الماضي وتبدأ بالسؤال والاهتمام بالحاضر والمستقبل.
*                    *
4 - لقد لعب الدكتور زيعور دور المحلل النفسي على اكمل  وجه، مقّدماً بحثه لكل من يريد ان يفهم ويغوص في بواطن الامور اكثر مما يعوم على سطحها.
وحاول بصدق إثبات ان هذه الامة لم تعد تحكمها المشاكل التي تعترض طريقها بل اصبحت رهينة العُقد التي خلفتها المشاكل. ان ذلك البحث ما زلت احتفظ به بالرغم من انّ مياهاً كثيرة جرت منذ دلك التاريخ. وتعاقبت ايام وسنون ، ومع الايام والسنين تطورت الوقائع وتغيرت الملامح وتبدلت التفاصيل، وبالرغم من ذلك مازال عندي ذلك التحليل او المعاينة العيادية الاجتماعية في عداد الذكريات الطيبة والماضي الجميل.
وإذا كان لا بد من زيارة جديدة لهذا الكتاب، فالنظرة اليه ستكون مختلفة نتيجة اكتساب قيم مستجدة. واذا ان العصر الذي قدر لنا ان نعيشه يتميز بسرعة الحوادث والقلق العميق الذي ينتاب الضمير سواء اكان فردياً ام جمعياً. والشعور الذي يلح علينا اليوم ويستبد بنا هو ادراكنا اننا مذنبون وجناة ولسنا ضحايا قضاء وقدر.
اننا نتحمل مسوؤلية التخبط في ظلمة فكرية ووجدانية عظيمة على نحو مثير للشفقة وللرثاء. وعلينا إستفادة اليقين بأن هناك بالفعل امة واحدة . ماضيها وحاضرها ومستقبلها واحد . وكل ما تراه الان مجرد تفاعلات على السطح وعوارض طارئة ومؤقته.
إن كتاب الدكتور علي زيعور، "التحليل النفسي للذات العربية"، هو بحث مهم يستلهم الواقع؛ فالواقع ويشكّل المنهل الاول حيث يقرأه بوعي وحصافة ويقدم رؤيته لذلك الواقع راصداً ومفسراً ومحللاً للظروف التي ساهمت في تشكيله وصياغته ، هذه الصياغه التي تحتاج الى طبيب نفسي يسبر العقد والرواسب من الالحماق والتي ادت الى سلله من الاخفاقات وآثارها والتي تتحكم بهذه الذات وتسيطر على مقدراتها وهي بدون مبالغة عويصه ومضنية مقبره ومتعبه.
وإذا ما نظرنا الى ما يحدث اليوم في العراق وفلسطين ولبنان ندرك فوراً اننا نعيش حقبة غربية من الفوضى والشلل، من الضعف والعنف، والازمات والتفاعلات، والصراعات والمغامرات الغير محسوبة وبدون بوصلهٍ تهدي او دليلٍ يقود. والمنطق ليس هو القاعدة التي تدور الحوادث حولها، والسياسة حمقاء متهوره بعيدةٍ عن السياسة العاملة المسؤولة التي يجب ان تسود وتحكم.
يقيني ان مجتمعاتنا وخاصة لبنان ليست في حاجة الى أطباء نفسيين يحللّون العُقد. لسنا في حاجةٍ الى مصلحين لاصلاح امورنا بقدر حاجتنا الى سيجعون فرويد خالف علم النفس في العالم يجلسون مع الدكتور علي زيعور إذا فكر أن يبدأ من جديد بعملية تحليل نفسي للذات اللبنانية قبل العربية .
أخيراً إن كتاب علي زيعور يكشف عن جانب او جزء من الصورة. ولكنها تبقى وجهة نظرٍ من ضمن وجهات نظر عديدة تُسهم في حواراتٍ نستطيع من خلالها ان نرى ونفهم ونحكم.
                                 
                                         محي الدين بلوز