Home

السيرة الذاتية    

الفلسفة الوسيطية المسيحية
( في داخل المدرسة العربية الراهنة في الفلسفة)
محمد رضوان حسن

حوار الفلسفات أجدىوأَسَدُّ من حوار الأديان

اهتمامات الدكتور علي زيعور الناشطة في الفلسفات بمختلف اتجاهاتها وتفرعاتها أنتجت ما ينيف عن الخمس والاربعين دراسة أكادمية موزعة ما بين كتاب ومقال. فالدكتور زيعور كتب في التحليل النفسي الأناسي للذات العربية ، وأعطى إحصافاتٍ في الفلسفة الأسلامية وفي علم النفس والصحة النفسية، وأخرج دراسات هامة في العقل العملي أو السياسي والأخلاق... وعمل ناشطاً في " مشروع الفلسفة في العالم والتاريخ" فحقق في كل من هذه الميادين دراسات واسعة تجديدية تميزت بعمق المنهج وبعد الرؤية .
ونجد الدكتور زيعور، ضمن مشروع " الفلسفة في العالم والتاريخ" يخرج كتاب " الفلسفة في أوروبا الوسيطية وعصري النهضة والإصلاح " مبيناً كما جاء، في عنوان صغير مكمل للعنوان الرئيسي بأن موضوعه هو " ما قبل التفاعل اليوناني الإسلامي اللاتينى حتى بدايات العصر الحديث". وقد تألفت هذه الدراسة من ثلاثة أبواب. الباب الأول يتناول مجال الفلسفة الوسيطة وشخصياتها وفيه تتحدد ما هية الفلسفة الأوروبية الوسيطة ليس من خلال التعريف الأتيمولوجي الذي يعتبره الدكتور زيعور غير كاف. فشأن هذا التعريف هو شأن التفريقات الأخرى التي تتمركز على المنهج أو على التاريخ الزمني أو على العلاقة بالدين ... فكلها في نظره تعريفات غير مستفدة ولا شاملة".."ولكن ذلك لا يعني ـ حسب قوله ـ بأنها كلها خاطئه ومن جميع الوجوه". فالتعريف الحقيقي ـ حسب الدكتور زيعورـ هو أنها فلسفة قائمة على التعريفات المذكورة كلها وليست في واحدة منها فقط"

ولكن الدكتور زيعور يشير الى ان دراسة هذه الفلسفة محفوف بالمخاطر والصعاب. ذلك بأنه يريد دراسة تستنفِد العمق، ومثل هذه الدراسة تطلب ـ حسب رأيه ـ " معرفة باللاهوت المسيحي وبتاريخ الكنيسة وبالآبائيةومعرفة بالفلسفة اليونانية . بالإضافة إلىالفلسفة  العربية وانتقال الفكر العربي وكيفية انتقاله الى اوروبا اللاتينية". وتوجد بنظر الدكتور زيعور عقبة أخرى وهي أن " هذه الفلسفة مكتوبة بلغة لاتينية ضعيفة وصعبة وبعيدة عن التناول. وهي الى جانب ذلك تتطلب معرفتها كما يذهب الدكتور زيعور " دراية بالاوضاع  الإجتماعية الإقتصادية أو معرفة الشروط التاريخية والحضارية والسياسية والإدارية" أي يجب ـ كما يقول ـ معرفة " مكوناتها التحتية" ويجب أيضاً معرفة " التيارات التي انصبت فيها هذه الفلسفة محدثة التحدي والدفع والدم الجديد ". كما ومعرفة " المقومات التي أسدتها للتاريخ الفكري ".
ويضيف الدكتور زيعور نوعاً آخر من الصعوبات. وهي الحساسيات . ذلك أن ارتكازها على الدين يبعث ـ بنظره ـ تخوفاً من الإنزلاق أو التحيز. ولكن الدكتور زيعور يرى بأن تدريسها يؤدي خدمات في مضمارها من حيث تقديمها للشرق وعرضها كفكريُغني سائر الأديان ويغني الثقافة العربية والرف اللاهوتي الخاص والمقارن في هذه المكتبة. والدكتور زيعور يرى أنه من الجائز لهذه الفلسفة " أن تخرج من أسوار التدريس في المعاهد اللاهوتية لتخدم الفكر العربي بأديانه كلها وتغذّي روح التفلسف فيه بنوعٍ أو بآخر وعلى درجات متباينة.
لهذا السبب نجد الدكتور زيعور يرد التهم التي ألصقت بهذه الفلسفة. هو يرفع عنها التهمة بأنها فلسفة عصر مظلم ، وبأنها لاهوت كاتوليكي وليست فلسفة  فالفلسفة  ـ كما يوضح ـ ترتبط في كل عصر من العصور بمفاهيم العصر الذي توجد فيه ولذلك فإن الفلسفة الوسيطية لا يمكن أن تفصل تماماً عن اللاهوت الكاتوليكي آنذاك. ولكن ذلك ـ كما يذهب الدكتور زيعور ـ لا يعني بأن الفلسفة الوسيطية كانت كلها لاهوتا
الدكتور زيعور في عرضه لهذه الفلسفة من ناحية أهميتها يبين كيف ان منهجها  كان منهجاً توفيقياً بين متناقضين هما العقل والإيمان. وكيف ان طبيعة هذا المنهج قادها الى الغرق في مشكلات عقيمة. بيد أن "هذا الغرق في المشكلات العقيمة، كان بنظر الدكتور زيعور، مفيداً وهاماً. لأنه كان ضرورياً لنشوء العقل الأوروبي الحديث ولتطور المباحث المنطقية ولتعويد الفكر على منهج التحليل الواضح في دراستة".
فلسفة عملية
أضف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت فلسفة عملية. فهي قد هدفت الى إنقاذ الإنسان من الخطيئة. والدكتور زيعور يبين على هذا الصعيد بأنها ليست فلسفة محضة ولا منزهة عن الغرض كما كانت الفلسفة اليونانية، حيث كان التفلسف رغبة في التفلسف مجردة لا يرتبط بغاية نفعِية  عملية." الفلسفة الوسيطية كانت غايتها خدمة الانسان.
هذا الواقع للفلسفة الوسيطية الذي يتوقف عليه الدكتور زيعور عبر تحليلات مختلفة لمواقف أهل الفكر والفلاسفة الوسيطيين يقود الدكتور زيعور الى ان يقول بلغة الواثق بأن هذه الفلسفة ليست فلسفة عقيمة..." إنها ـ كما يقول ـ نظرة جديدة للكون والانسان انتفعت من الفلسفة اليونانية دون ان تفنى فيها. بل إنها أضافت إلى هذه الفلسفة وعدلت فيها بأن " أخذت العام ورفضت " مالم يوافقها". ثم يضيف الدكتور زيعور قوله خصائصه قوله :" فهي مذهب فلسفي قائم بذاته ، له شخصيته واستقلاله ، له خصائصه ومعضلاته ، له طابعه الخاص. " والدكتور زيعور يرى بأن أكبر إنجازات هذه الفلسفة ذات الطابع الخاص إنما هو في امتصاصها تم تفاعلها مع الفلسفة  والعلوم العربية الاسلامية الأمر الذي مهد للعقل أن يقفز."
هذه الشخصية المستقلة يكرس لها الدكتور زيعور القسم الاكبر من دراسته. إنه يريد أن يبرز كينونة هذه الشخصية. وهو يفعل ذلك عبر الرجالات الذين كانوا الصانعين لها.  
 فهو بعد أن يدرس رواد الفكر الوسيطي أو الاباء الأوائل دراسة سريعة ومع ذلك مستنفدة نجده يتوقف على أرهاط هذه الفلسفة. هو يتوقف مطولاً على القديس أوغسطينوس الذي يسميه" القمة الأولى في الفكر الوسيطي" وكذلك يتوقف على القديس توما الاكويني الذي هو أيضاً قمة كبرى في هذه الفلسفةبينما تجده يمر سريعاً على رجالات أخر لها ايضاً أهميتها امثال جون سكوت أريجينا، والقديس أنسلم، وبطرس أبيلاردوس، والقديس البير الكبير.
ويلحظ القارئ أن الدكتور زيعور يحاول باستمرار ان يضع هذه الفلسفة في إطار الفلسفة الأسلامية ، وهذه المحاولة لا تظهر في الواقع غريبة .
 فالفلسفة الاسلامية هي فلسفة وسيطية ايضا وهي ان كانت لم تبدأ قبل القرن الثالث الهجري ـ الثامن الميلادي ، فان ذلك يشكل حافزا يدفعنا لنعرف مدى تأثر هذه الفلسفة بالفلسفة الآبائية الاولى ،وهذه المسألة هي مسألة أساسية في دراسة الدكتور زيعور ، اذ تجده يخصص الباب الثاني لمسألة " التحاور والتجاور او الفلسفي والعلائقي بين المسيحية والاسلام ". الدكتور زيعور يهتم على هذا الصعيد بالوقوف على " المسيحية في العالم والتاريخ " فندرس المسيحية اولا عبر حياة المسيح بحسب تدويناتها الشرعية ، كما جاءت بلسان يوحنا ومتى ومرقس ولوقا ، ليدرس بعدهاشخصية المسيح ومثالاتها في الاخلاق والعادات والايمان والالم والامل دراسة تقوده الى تبيان كيف ان المسيحية أنارت طريقا في الحياة وغيرت في النظر والتقييم، فكانت " دعامة من دعائم الذمة العالمية " في دنيا الفكر ومحبة النوع " .. " وكانت الاقرب في العالم الى الاسلام والى العقل العربي ".
ولكن دراسة المسيحية في العالم والتاريخ هي ايضا في كتاب الدكتور زيعور دراسة للانشقاقات والفرق التي حدثت في المسيحية من كاثوليكية وأورثوذكسية وبروتستانتية. وخطوات الدكتور زيعور في هذا الميدان خطوات محدودة بل وحذرة اكتفت بالافكار العامة ، ولكنها مع ذلك ناقشت المواقف التي ربطت بين هذه الفرق وبين الرأسماليات والإشتراكيات الدكتور زيعور يريد ان يوضح مسألة أيديولوجية تتعلق بالتاريخ وبالفكر. هنا يناقش مثلاً راي ماكس فيبر الذي اعتبر الراسمالية كنتيجة للبروتستانتية لان هذه الاخيرة تربط بين المال والالوهية . من ناحية انها تدعو الى الربح والتوفير وتكديس الثروة بحيث ان كبار رجال الاعمال هم من البروتستانتيين عموماً. فهذا الرأي هو بنظر الدكتور زيعور راي يقوم على "علم الإجتماع التفهمي الذي يعتمد على منهج الأنماط المثالية المتنكر لكل وجهة نظر واقعية الأتجاه وامبريقية النزعة". الدكتور زيعور يرفض في هذا الميدان افهومات الأنماط المثالية لأنه يرى بأنها عاجزة عن تفسير التاريخ ؛ وكذلك هو يرفض افهومات المادية الجدلية المتعلقة بتفسير ظهور البروتستاتنية معتبراً هذه الافهومات كتفسير مبسط وكنظرٍ مسقط أي بعبارة اخرى – كما يقول الدكتور زيعور نفسه – جزئية سريعة او سطحية.

التأثير الاسلامي
في الواقع الدراسة التي يعطيها الدكتور زيعور عن الفلسفة الوسطية تقدم حواراً متعدد الوجوه مع هذه الفلسفة. وهذا الحوار يتسع ليتناول التاريخية المسيحية او المسيحية في التاريخ في موقفها من الفلسفة والعلم . الدكتور زيعور يستنطق في هذا الباب التاريخ نفسه الذي يقدم موقفا انبنى على الافكار المسبقة او العقائد الجاهزة لان محور المسيحية هو الثالوث وعلائقه بالانسان ونهاية العالم . ولذلك كان العقل مقيداً وحرية الفكر محدودة الاطار والمرجعية والمضمون. فالفلسفة الوسطية حتى البيرتوس الكبير المتوفي سنة 1280 م غرفت من الفكر اليوناني أشياء غير كثيرة ولا كافية . والقديس توما الاكويني نفسه ( متوفى سنة 1274 م ) اقام التفلسف الديني – كما يبين الدكتور زيعور – على اسس يونانية واجتيافات عربية إسلامية ، فابن سينا حسب توضيح الدكتور زيعور يرد ذكره عند القديس توما الاكويني في اكثر من مئتين وخمسين مرة معظمها حول نقاط اساسية .  ثم كانت الرشدية اللاتينية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وكان ايضاً التيار المحارب للرشدية على يد ريمون لول المطالب بهدي المسلم الى المسيحية وحظر الرشدية

حوار الاديان ام حوار الفلسفة
إن الدكتور زيعور يحاول في هذا الميدان توضيح العلائقية بين الفلسفة المسيحية والفلسفة الاسلامية ، فهو في الفصل الذي يخصصه لدراسة "المسيحية والاديان، الانا والاخر" يفرق بين المسيحية كدين والمسيحية في صورتها التطبيقية داخل اوروبا ، اي المسيحية التاريخية، وهوهنا يبين بان المسيحية التاريخية اوقعت الانسان خارج العقلانية بالصور التي اعطتها عن الاسلام والتي هي صور تشنيعية . ويبين الدكتور زيعور ان هذه الصور استمرت بارزة حتى بعد بروز الاستشراق وهي لم تتحسن مع الاستعمار؛ ويرجع الدكتور زيعور هذا الواقع الى المناقشة التاريخية بين الاسلام والمسيحية . هناك – كما يشرح – مواقف جاهزة كل منها يرفض الآخر. ولذلك يرى الدكتور زيعور انه من الضروري ان يقوم الحواربين الاديان وهذا الحوار – كما يشير الدكتور زيعور – يدعو اليه القرآن نفسه: "يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ...فهنا في هذه الآية- كما يقول الدكتور زيعور – دعوة الى حوار " لا نفرق فيه بين احد منهم ( هذه الامم وبناة الحضارة والعقلانية ) . وهذه المثاليات المطلوبة برأي الدكتور زيعور هي كحفظ كرامة الانسان وحقوقه ". ولكن الدكتور زيعور يبين من جهة اخرى ان الحوار بين الاديان فكرة يستطيع الراغب استغلالها لمصلحته. فهذه الفكرة قد تفرض الإجتهاد المُغرِض والتاويلات المتعسفة. وهنا يحتكم الدكتور زيعور الى الفلسفة في بحثه عن حوار منزه ، عن حوار بين الأديان بعقلانية وداخل تاريخ ومجتمعات وتعاقب قوانين التاريخ؟ الدكتور زيعور يجيب على تساؤله بالبحث عن مستقبل البشرية خارج حوار الأديان " والسبب في ذلك – كما يشرح الدكتور زيعور – هو ان الفلسفة قد ترى حوار الاديان حواراً غير حر ومنفعته أو منعته  ضئيلة.
توجد اذن عند الدكتور زيعور – من الوجهه الفلسفية – نظرة حذرة الى حوار الاديان ، بينما النظرة الى حوار الفلسفة هي نظرة اكثر انفتاحاً ، حذرها قليل جداً . ولذلك نجد  الدكتور زيعور يركز على حوار الفلسفة ، او بالاحرى على  الحوار الذي انوجد في التاريخ بين الفلسفة العربية والفلسفة المسيحية . فهذا  كان اندفاعاً جديداً للتاريخ ، كان صناعة للتاريخ . تاريخ الفلسفة الوسيطية في الغرب يُظهِر – كما يشرح الدكتور زيعور – ان ابن سينا لم يكن في الفلسفة الوسيطية سوى نمط فكري . فقد كان يمثل روح العصر . كان مرجعية اساسية بحيث انه كان حاضراً في اللاهوت المسيحي ، كذلك في التصوف المسيحي بل ان الدكتور زيعور يذهب الى اعتبار ان دراسة تطور الاوغسطينية يجعل من اللامبالغ فيه تسمية الاوغسطينية بالاغوسطينية السيناوية ، لان النظرية السيناوية ، لان النظرية السنياوية في المعرفة وفي العالم والالوهية والملائكة كانت  قدمت غذاء وتعميقاً واسعاً ومستمراً للفكر الاغوسطيني . واثر السيناوية ليس باقل اهمية عند توماً الاكويني الذي يستشهد بابن سينا مرة ومرة ... وابن سينا كان ايضاً ماثلاً – كما يوضح الدكتور زيعور – داخل التفكير الدومينيكي في جامعة باريس ، وكان ايضاً داخل إنكلترا كما وكان في فرنسا، في القرن الرابع عشر ، الكاردينال فيتال دي فور مؤمناً منعشاً لافكار ابن سينا في النفس . والدكتور زيعور ييبين بان هذا الاثر تتابع في القرن السابع عشر داخل التومائية ، والتومائية لا تتوقف عن الترحاب بالسنياوية حتى عصرنا الحاضر. فالسيدة غواشون، وهي احدى دعاة التومائية الجديدة ، كانت تفاخر كما يشرح الدكتور زيعور – بانها أعادت ابن سينا الى السوربون كفيلسوف عالمي الآفاق والنص والتفكير .ذلك بعد جميل صليبا ، ثم تلاها الدكتور زيعور كعالِمٍ نفساني ومحلِّل نفسي واختصاصي بالنفس داخل الفلسفة اليونانية العربية المسيحية وحتى كَنْط
بيد ان حوار الغرب مع ابن سينا ما كان في شروحات الدكتور زيعور – ليحدث على صعيد الفلسفة وحدها، فهو كان ايضاً في مجال العلوم ، بحيث ان ابن سينا كانت له سلطة لم يبلغها ابن رشد نفسه ولا غيره من ممثلي الفضاء الفكري العربي الاسلامي داخل اللاتينية، وبصورة مجملة . كان موقع الفكر الحضاري العربي – براي الدكتور زيعور – موقع المؤثر والمحرض الكيماوي والمنتج او المعطاء ، كان المثير والمهاجِم او الايجابي والفاعل وليس المدافع او في موقف رد
هذا الموقف المعطاء للفكر العربي الاسلامي يحتل مكانة هامة في التيارات الفكرية التي تكونت في اوروبا ابتداء من القرن الثالث عشر وحتى ظهور الفلسفة الحديثة ، فالتيار الاغوسطيني هو عند الدكتور زيعور الاوغسطينية السيناوية ، والمدرسة التومائية هي مدرسة قامت بتفاعلها مع السيناوية ومع الرشدية ، والنزعة العلمية الاوروبية جاءت كتطور للعلوم العربية ، والرشدية اللاتينية هي إبن رشد المنقول الى اللاتينية إمّا لِيُلتْهم فكره التهاما وإمّا ليحارَب محاربة عداءٍ وضغينية ، وهذه الرشدية – كما يبين الدكتور زيعور – تثمرت في اوروبا تثميراً كبيراً ان لجهة تمجيد العقل ورفعه الى مرتبة عليا في الخطاب الديني والثقافي عامة ، وان لجهة السياسة ومشكلة الفصل بين الروحي والزمني في السلطة  .
الدكتور زيعور يكشف كم ان التيارات كانت كثيرة متعددة ، في اوروبا . فعصر النهضة – في مفهوم الدكتور زيعور – "ليس نوراً أتى بعد ظلام القرنين الثالث عشر  والرابع عشر ، الدكتور زيعور يرى بان الكلام على اسس جديدة تماما في التفكير وانتاج المعرفة غير دقيق. "فالفلسفة ليست – برايه – خلقاً من  عدم فهي ليست مقيمة لهوة ولا هي تخضع لقانون " القطع والفصل او الانتقال المفاجئ اللامفسر. وعلى هذا الاساس يبين الدكتور زيعور ان " الوعي الفلسفي بقي عربياً لاتينياً حتى القرن السابع عشر ، والوعي الفلسفي قبل تكون المشائية الاسلامية المسيحية لم يكن إلا عربياً إسلاميا، وكذلك الفترة الواقعة فيما بين خريف الفكر اليوناني حتى إعادة انتعاش الفكر الفلسفي على يد العرب لم تكن سوى فترة أعرابية او شرقية اي غير اوروبية.
الدكتور زيعور يقدم في الواقع ، عبر كتابه ، كشفاً عن جوهر فضاء الفلسفة الوسيطية والحديثة في آن واحد . هو يعطينا الحوار الطويل والمديد ، الفاعل والمنتج ، بين المسيحية والاسلام عن طريق الربط بين وسيطية الغرب ووسيطية الإسلام ربطاً يبين فيه ان فلسفة الغرب الوسيطية ، بل وحتى الفلسفة الحديثة ، لم تكن سوى تثمير للفلسفة العربية الإسلامية تحقق عبر الفضاء اللاتيني العربي الذي كان بمثابة بوثقة الانصهار اي النشء الجديد.
فهذا الكتاب يثير إذن مسألة هامة وأساسية في تاريخ الفلسفة الوسيطية وهي مسألة إبداعات هذه الفلسفة ودورها في  تطور التاريخ انتقال العقلانية بواسطتها من الشرق الى الغرب ، ثم انزياح الفضاء اللاتيني العربي عن مكانته ، بل وأُفُول هذا الفضاء ليِس بسطوع الديكارتية في الغرب وانما ـ بحسب الدكتور زيعور ـ  الكَنْطية .
 إنه يخوض في مسائل حساسة ودقيقة ، يقيم حواراً مع هذه المسائل متصفاً لا بالتلميذية ابداً ، بل بالاستاذية  حين يناقش فيقبل او يرفض لينتج هو بدوره مواقف جديدة تقوم على الايجابي لا على السلبي  في المفاهيم التي يقدمها عن التاريخ والثقافات والتناضح بين الحضارات.
والامر الذي من جهة اخرى يستوقفنا هو ان الدكتور زيعور لم يكن ليتوقف على الوسيط والحديث مكتفيا بذلك ، بل هو بإستمرار يعرج على العصر الحاضر ليلحظ في الفلسفة العربية المعاصرة تغييباً للفضاء المشترك بين الوسيط الاسلامي والوسيط المسيحي . وذلك لا ليحمل باللائمة على المدرسة الفلسفية العربية المعاصرة  بل ليلفت النظر الى اننا اليوم " إذ نقرأ ابن سينا ومن ثم التومائية السيناوية ، بل والسيناوية المحدثة المعاصرة ،قراءة وجودانية او شخصانية ، فلا يعني ذلك اننا نستعيد ادوات او رؤى غربية مستوردة ، لاننا بذلك نعيد قراءة التمييز بين الماهية والوجود ، وهو تمييز اساسي في الفلسفة العربية الاسلامية ومن ثم في التومائية.
وهكذا يَظْهر هذا الكتاب كإعادة نظرٍ تجديدي في التاريخ ، كمحاكمةٍ للمفاهيم الفلسفية الوسيطية ، او لنقل كحوار بين الدكتور زيعور والفلسفة الإسلامية في فضائها اللاتيني؛ وبالتالي في فضائها الوثني الاسلامي المسيحي أي اليوناني العربي الأوروبي.من هنا نفهم أنّه وحين يقول فلسفة يونانية عربية .*

 

د. محمد رضوان حسن

 

 
*  مراجعة كتاب الدكتور زيعور ، الفلسفة في أوروبا الوسيطية وعصرَيّ النهضة والأصلاح ] ثم حتى كَنْط [ المكتب العالمي ، 1998 ؛ 2001