Home

السيرة الذاتية    

في علم النّفس والصّحة العقلية

علم النفس في ميادينه وطرائقه

مع ترجمة ومعجم في علم النفس والتحليل النفسي

الدكتور علي زَيعُور

مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر

مقدمة

                                                 الدكتور محمد رضوان حسن

                                               (الجامعة اللبنانية – الفرع الثالث)

       قبل نهاية الثمانينيات كانت معظم أعمال زميلي الدكتور علي زيعور، في علم النفس والتحليل النفسي(1)، قد ظهرت محتلّةً مكانة إيجابية في المكتبة العربية أو في الجامعة اللبنانية وبل داخل ما أسماه – منذ البداية(2) – المدرسة العربية في علم النفس.

       جرى لمؤلّفات الدكتور زيعور طبعات عدة؛ وكان ينقَّح بكثرة، أو يضيف ويتطور من حيث الطرائق وفي الميادين. وها أنذا أقدِّم للقارئ طبعة، مُعدّلٌ مضافٌ فيها، مبتدئاً من بدايات عملنا المشترك في كلية الآداب

       نال صديقنا الدكتور علي زيعور شهاداته في الفلسفة وعلم النفس من "مدرسة الآداب العليا" في بيروت؛ وهي فرع من جامعة ليون في فرنسا. وهذه المدرسة هي التي أتاحت لي أن أتعرف به، وبزملاء آخرين أمثال جورج زيناتي وشكيب أرسلان... وكلنا تخرجنا من هذه "المدرسة" على يد أساتذة جامعة ليون الذين منهم من كان لبنانياً أو في لبنان بشكلٍ دائم أمثال الأب جيروم غيث، ونعمان ألاجه جي، ورينيه حبشي... ومنهم من كانت تَفِدهم جامعة ليون إلى بيروت للإشراف على البرامج، وللتدريس وإلقاء المحاضرات؛ أمثال: ليون هوسون (Léon Husson)، وروجيه أَرْنَلْديزْ (ARNALDEZ)، وجينيفياف روديس لويس (G. RODIS-LEWIS)، وغبريال مادينيه (MADINIER).

       ثم كلنا ذهبنا بعد ذلك إلى باريس لمتابعة الدراسة على يد أساتذة السوربون (كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة باريس)، وأيضاً على يد أساتذة الكوليج دي فرانس... عرفنا وتعرفنا في باريس على دانيال لاغاش الذي كان الدكتور زيعور يشكو منه، في الوقت الذي كان يرى في جان شتوتزل أستاذاً، ويتحمس للأستاذ روكلن الذي ترجم له إلى العربية فيما بعد كتابين: "تاريخ علم النفس" و"طرائق علم النفس". وأتذكّر أننا كنا نستمع إلى بياجيه (بعد ميرلو بونتي) وفْريس...

       وعرفنا أيضاً في باريس روبير برونشفيك، وكان مدير معهد الدراسات الإسلامية في السوربون. كما وعرفنا ريجيس بلاشير، ودي غانْدياك، إلخ. ولا يغرب عن ذاكرتنا الأساتذة الآخرون: جان فال، وجورج غورفيتش، وفردينان ألكييه، وبول ريكور، وريمون أرون، ويانكيليفيتش... ولكنني إذْ أذكر أساتذة السوربون، فإنه لا يغرب أبداً عن البال أساتذة الكوليج دي فرانس أمثال: هنري لاووست، وجاك بيرك، وجان إيبوليت (لم يكن فوكو كثير الشهرة آنذاك).

       وباريس عرَّفتنا بزملاء جُددٍ منهم: حسن حنفي، وناصيف نصار، وفهمي جدعان؛ وكانوا جميعاً في نهاية دراستهم: وكان محمد أركون بدأ يدَّرس الفسلفة الإسلامية هناك؛ في 13 شارع دوفور.

       في أوائل السبعينات عدنا إلى وطننا. ولم يكن من الصعب على حامل الثقافة الفرنسية من فلسفة وعلم نفس وعلم اجتماع... إلخ.. أن يجد منصباً له في التدريس في الجامعة اللبنانية... فالجامعة اللبنانية كانت تعتمد اللغة الفرنسية للتدريس في معظم كلياتها، وفي معظم أرصدة كل قسم في كلة كلية... وهذا الواقع كان يحول دون جعل المتخرج من ألمانيا، أو من البلاد الأنكلوسكسونية، يتطلّع إلى إمكانية العمل في الجامعة اللبنانية؛ إلاّ إذا كان يستطيع التدريس بالفرنسية. وكان ذلك يجرحنا، ويجلعنا رافضين.

       (...) ولكن الجامعة اللبنانية هي جامعة وطنية، واللغة الوطنية في اللغة العربية... فلماذا لا يكون التدريس باللغة العربية التي هي لغة الوطن؟ كانت توجد إذن مشكلة، وهي مشكلة قديمة قِدَم التعليم الرسمي في لبنان. غير أن كلية الآداب بإدارة الدكتورة زاهية قدورة التي كانت عميدتها في ذلك العهد، كان لها موقفها بقرار جريء اتخذته نصّ على أن يعرَّب التدريس تدريجياً إذا لم يكن دفعة واحدة... وكان صديقنا كمال يوسف الحاج، وهو رئيس قسم الفلسفة آنذاك، من بين المؤيدين للتعريب.

       ولكن أخصام التعريب ما كانوا قِلّة. فالتعريب بنظرهم يصطدم بعقبات كؤودة... ذلك بأن نقل مصطلحات الفلسفة وعلم النفس والجغرافيا وعلم الإجتماع... إلخ إلى العربية ليس بالأمر السهل... في مفهومهم أن اللغة العربية غير قادرة على إستيعاب مصطلحات العمل الحديث... ناسين أو متجاهلين أو جاهلين بأن اللغة العربية إن كان لا يوجد فيها العلم الحديث بمصطلحاته فذلك لا يرجع إلى اللغة بذاتها. بل إلى "العقم الفكري" للّذين يتكلمون العربية. اللغة لا تنفصل عن الفكر، والفكر لا ينفصل عن اللغة... اللغة هي الفكر كما أن الفكر هو اللغة. الكلمة حين تتدحرج على لساننا، فإنها، كما يقول ميرلوبونتي، لا تتدحرج إلا كفكرة(1)... وبالتالي فإنه لا توجد فكرة الراديو أو التلفاز إلا في كلمة الراديو أو التلفاز متدحرجةً على لساننا بلساننا... الوجدان العربي، إن كان لا يعيش مصطلحات العلم الحديث، فكيف نطلب من اللغة العربية التي هي لغته أن تحوي هذه المصطلحات؟! المشكلة هي إذن مشكلة حضارية ثقافية، مشكلة ذاتٍ تعي الوجود وتقول ما تعيه من الوجود... والذات العربية، أو لنقل ذات الطالب اللبناني، إذا لم تتعلم وعي الوجود بلغتها الأم، فإن اللغة الأم ستبقى متقوقعة في جمودها. وإن الذات الطالبية نفسها ستجد نفسها مستأصلة من جذورها، من ثقافتها الأصيلة.

       لا بد إذن من البدء بشيء ما، لا بد من العمل للدخول في التاريخ... وبالتالي لا بد من أن نبدأ بنقل الحضارة الغربية إلى لغتنا الأم مهما كانت تعثراتنا ومصاعب النقل... والنقل الذي نعنيه هو النقل الذي يرافقه عيش حدس المصطلحات، بمعنى جعل المصطلح يعيش فينا، يدخل إلى قرار وجداننا دخولاً يصبح هو بنا ونحن به بشكلٍ نستطيع أن نرتفع من مستوى مجتمع الاستهلاك إلى مستوى المجتمع المنتج، أي ننتج بلغتنا لا بلغة غيرنا ليكون إنتاجنا أصيلاً كل الأصالة.

       كتاب الدكتور علي زيعور الذي نحن الآن بصدده، جاء في هذا الإطار من المفهوم للإستقلال والإسهام أو للنقل وللذات. هو دون شك ليس بالكتاب الأول في مدارس أو في فلسفات علم النفس المعاصر باللغة العربية، ولكنه كان الكتاب الأول الذي صدر على يد أستاذ في الجامعة اللبنانية يوم كانت الجامعة اللبنانية تشهد صراع تعليم العلوم الإنسانية الحديثة باللغة العربية أم باللغة الفرنسية، هذا الكتاب جاء ليقول بأنه لا توجد مشكلة حقيقية بالفعل لنقل علم النفس الحديث بكل مصطلحاته إلى اللغة العربية. وبالطبع فإن هناك مصطلحات قد يكون من الصعب إيجاد ما يعادلها بالعربية، ولكن مشكلة المصطلحات ليست أبداً مشكلة اللغة العربية وحدها... فاللغات الأجنبية كلها تأخذ عن بعضها البعض المصطلحات مُبْقية إياها أحياناً كما هي في اللغة الأم، وأحياناً أخرى تُدخل عليها بعض التحريف في اللفظ... ولغتنا العربية تستطيع أن تفعل ما تفعله اللغات الأخرى، أن تفعل ما فعلته اللغة الفرنسية مثلاً حين نقلت إليها مصطلح "فقه" أو "علم كلام" أو "تصوف" إلخ؛ فالتعريب في علم النفس أو في غيره من الميادين ليس إذن مشكلة كؤودة. والدكتور زيعور أثبت منذ كتابه الأول، إبّان السبعينيات، أنه في الواقع لا توجد مشكلة بالشكل الذي تصوره آنذاك أخصام التعريب.

       وبصدور كتاب الدكتور زيعور في تلك المرحلة من الزمن، ترسَّخت القَدَم؛ وصارت الخطوات حثيثة أكثر فأكثر ليس فقط في تدريس علم النفس بالعربية، بل أيضاً في العمل لتطوير ما أردنا تسميته بـ: المدرسة العربية في علم النفس. وبهذه الإنطلاقة بدأت تظهر الدراسات العلم نفسية باللغة العربية في الجامعة اللبنانية... وتطورت الأحوال وشؤون الدراسة، ونما في العالم العربي الفكر العلم نفسي باللغة العربية، وفي لبنان بالذات، نمواً كان من نتائجه ذلك المؤتمر الذي انعقد في طرابلس لبنان: "المؤتمر الأول للثقافة النفسية والنفسية – الجسدية"، من العاشر وحتى الثاني عشر من كانون الثاني سنة 1992.

هكذا ينمو الفكر، وهكذا تنمو الذات؛ وبهذا النمو يتحقق وعي الذات لذاتها، وبالتالي تحقق الذات ذاتها في التاريخ.

                                                        د. محمد رضوان حسن

                                                                  رئيس قسم الفلسفة

                                                   الجامعة اللبنانية، الفرع الثالث (طرابلس)

 



(1) أذكر هنا موسَّعة الدكتور زيعور في أجزائها الثلاثة عشرة الصادرة عن دار الطليعة، صدر آخرها عن المركز الثقافي العربي، بيروت – الدار البيضاء، 1992.

(2) يُشير الدكتور الغالي أحرشاو (من جامعة فاس، المغرب) أن زيعور كان أول من دعا إلى إقامة المدرسة العربية الإسهامية المستقلة في علم النفس. راجع، مجلة الوحدة، العدد 26-27 (1986)، ص 185-190.

(1) راجع مثلاً: M.MERLEAU, PONTY

1-       Phénoménologie de la Perception, Gallimard, Paris, 1945, p. 211-214, l'acte de parler, etc.

2-   Signes, Gallimard, Paris, 1960, p. 27, 53-54…etc.