Home

السيرة الذاتية    

 

    

هل أنّ علي زيعور أول من قال بمدرسةٍ عربية في علم الاجتماع
                                                 مصطفى مغنية

يوم كنا في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية في اوائل السبعينات من القرن الماضي كنا نسأل عن مؤلفات في علم النفس باللغة العربية ، حيث كنتُ وجيلي من الطلاب الذين تخرجوا من المدرسة الرسمية ضعيفي التكوين في اللغات الاجنبية . يومها طلع علينا الدكتور على زيعور بكتابه " مذاهب علم النفس " ؛ فرأينا فيه مرجعاً ، ورغم أنّ التأليف في ميدان علم النفس باللغة العربية كان قد بدأ في مصرفي أوائل الخمسينات ؛ الا أنّ الكتاب المصري لم يكن رائجاً بين طلاب وأساتذة المعهد الذين كانوا يدرسون هذه المادة وغيرها من المواد باللغة الفرنسية .
ورغم ان أستاذة هذه المادة "مدام برِنْس" كانت ضعيفة التكوين باللغة العربية إلا أنها سُرَّتْ بهذا الكتاب ، وأحالتنا إليه كمرجع ، وكانت ترى إمكانية تدريس هذه المادةِ باللغِة العربية .
         يومها ذكرتُ كتاب الدكتور علي زيعور أمام أحد الأساتذة، وكان ممن يخوضون مِعركة التعريب في المعهد ، فقال لي" ما باله يستعجل" !! يومها كانت تخاض معركة التعريب . على أسسٍ سياسية، وليس على أسسٍ ثقافية .
         لن أتطرق الى مضمون هذا الكتاب فهو بحاجة، كما بقية كتب الدكتور علي زيعور ، الى وقفات طويلة ، لكني أتساءل ! هل كان  علي زيعور حماسياً ؟
         الجواب نعم ، لقد كان  علي زيعور حماسياً على نشر الثقافة النفسانية والتحليل نفسية باللغة العربية ، ومخاطبة أبناء هذه الأمة بلغتهم ، لإيمانه وإعتقادة ، ليس فقط بأنّ العربية  قادرة على إستيعاب العلوم الحديثة وإمكانية نقل وإستحداثِ المصطلحات العلمية باللغة العربية ، هذه المصطلحات التي إشتغل عليها الدكتور علي في مؤلفاتهِ في بداية علم النفس ، وفي ميادين أخرى كثيرة .ناهيك عن أنّ العرب كما يعتبر الدكتور زيعور هم أصحاب مدرسةٍ في علم النفس وفي غيرها من ميادين العلوم الاجتماعية أوفي الفلسفة والفكر الاجتماعي .

         على هذا الأساس أصدر الدكتور علي زيعور معظم مؤلفاته باللغة العربية مع إتقانه للغة الفرنسية ، ورغم أن التأليف بهذه اللغة تكسِب صاحبها الشهرة إنْ لم يكن العالمية .

لم يضع بين أيداينا صاحب كتب " ذكريات الفكر الجامعي " كتاباً عن مذكراته في فترة الشباب . إلا أنّ تأليفه لكتاب " البوذية" بالتشارك مع محمد علي الزعبي وكمال جنبلاط ينبئك عن جانبٍ من إهتماماته في تلك الفترة .

         قبل أن يشغل الدكتور علي زيعور كرسياً في الجامعة اللبنانية كأستاذٍ للتحليل النفسي وللفلسفة النفسانية  عمل في أوائل السبعينات في وزارة التصميم العام  ، وكان فيه فيها  د. جورج قرم ،الوزارة التي أنشئت في لبنان للوقوف على حاجات التنمية ، موظّف تلك الفترة لأجل كتابه " من مونوغرافيا قرية الى التنمية الوطنية " دَرَسَ فيه القرية التي نشأ فيها وقارنها بضيعة وقرى لبنانية وربما بخصائص كثيرة مشتركة سواء كان سكانها من المسلمين أو النصارى ؛ إرتكز فيها على نهج يعتمد الوصف والتحليل ، ويستعين بالاحصاء ليخلُص الى أنّ مجتمع القرية قد بدأ يتغَيَّر، ويأخذ بأسباب الحياة العصرية ، مع أخذه بمنتجاتها المادية أكثر من أخذ بقيتها الحضارية (أحصى تأثيرات في الانتقال الى الكهرباء ، والحنفية في البيت ، والكرسي وحجر الباطون ...)  

         إنطلاقاً من مشاهداته في مجتمع القرية ، الحالة النفسية ومعتقدات وسلوك السكان ، كما من غيرها من المشاهدات ، بني عمارة في التحليل النفسي للذات العربية ، أنماطها السلوكية والاسطورية ، ودرس فيها الاسطورة ، والكرامة الصوفية والحلم والعقلية الصوفية ونفسانية التصوف ... في سلسلة صدرت في سبعة عشر جزءاً لم يصدر الجزء الرابع منها حول الالوهية والانسان في الذات العربية .
         وكانت سلسلة الابحاث هذه تتويحاً لإهتمامه بالتحليل النفسي الذي طبقه، في العديد من كتبه. وهو فيما نعلم الرائد في هذا المجال ، حيث أثارت كتبه إهتمام الدارسين العرب والاجانب من أطباء نفسيين ومعالجين نفسيين وباحثين .

         على خط متصل ببوذا إهتم الدكتور علي زيعور  بالفلسفة الهندية والفلسفات الشرقية ، فألف كتابه الفلسفة في الهند ، ثم وسع فيما بعد ليشمل الفلسفة الصينية. وكان قبل ذلك قد نشر كتابة في الفلسفة الوسيطة والفلسفة المسيحية ثم أتبعها بسلسلة من الكتب عن الفلسفة العربية الراهنة .

          من الصعب أن نتناول كاتباً إمتدّ  نتاجه الفكري على أكثر من أربعين عاماً وما يزال حتى الـ 2005  وتوزعت إهتماماته من الفلسفة الى علم النفس إلى الإقتصاد والتربية وعلم الاحلام . في عجالة ، ولكن بدون شك ،فإنّ الدكتور علي ، قد أغنى المكتبة العربية بسلسلة أبحاثه التي أثارت كما أشرنا سابقاً الكثير  من الاهتمام ولكن صعوبة قراءة بعض مؤلفاته تجعلها في غير متناول القارئ  العادي  وكأنها تتوجه الى الاختصاصيين ، مما يحرم من نفهعا جمهوراً واسعاً من القراء من الأمة العربية التي أراد لها الصحة النفسية الروحية والتقدم والازدهار .
كما أن صدور مؤلفاته عن عدد غير قليل من دور النشر تزيد صعوبة التوصل الى أفكاره .

          لم أستعرض كتب الدكتور علي زيعور ؛ أشرتُ الى بعضها فقط ، ولا ناقشت أيا من أفكاره . ولم أشر الى ميدان الاحلام الذي أعتقد أنه كان أكثر المشتغلين فيه بين مؤلفي العربية . كل كتاب من كتبه بحاجة الى وقفة طويلة ومناقشة هادئة من إختصاصيين كل من مجاله إنما أثار ذهني جملة من المصطلحات والافكار التي تحملها بعض كتبه من مثل : الذات العربية ، والمدرسة العربية في علم النفس ، وفي الفلسفة ، وبخاصة في علم الاجتماع. فنسب الى العربية مدارس قد يشهد عليها دارسون للثقافة العربية ، ولعل الدكتور علي أراد أن يرفع عن هذه الأمه الغبن الذي لحقهل من قِبَل دارسي الثقافة العربية من الغربيين والجارحين الذين سلبوها الكثير من المحاسن ، فهل يمكن الحديث عن مدارس عربية ؟ أو ذات عربية ؟ الجواب سيأتي في ما بعد ممَّن سيناقشون الدكتور علي في إبتداعاته، وإبداعاته ...

وفي جميع الاحوال ، إن معظم جيلي من الاساتذة والطلاب والعاملين في معهد العلوم الاجتماعية لم يكونوا مقتنعين كثيراً بمقولته التأسيسية عن " مدرسة عربية في الاجتماع" وأعتقد أنّ معظم أساتذتنا كانوا يمرّون بها عابرين . متردّدين  لكنّ ميدان علم الاجتماعي ، ولاسيما ميدان علم الاجتماع النفسي أو علم النفس الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي العيادي ، كلّها ميادين تَدين لاستاذنا علي زيعور وتعترف اليوم له بأنّه منحها مكانةً مستقلة وعزيزة .
             *                               *