Home

السيرة الذاتية    

الفلسفة الاسلامية الهندية وعلاجها النفسي للاكتئاب عند لاكان (LACAN)* وصفوان

علي زيعور

I.   تقديم

      إنّ للمدرسة العربيةِ الراهنة في الفلسفة والفكرِ خطاباً في الفلسفات الهندية، العَمَليةِ منها والنّظريّة المحضة، يَنْتقِد ويَتَخطّى المواقف الانبهارية تجاه إحدى تلك "الفلسفات الشرقية" التي كوّنت المهادَ والإهاب، المائدةَ والبداياتِ المؤسِّسة، العقل الناظرَ المقلِّب وأسئلة الوجودِ والمعرفةِ والخير.

      وكما وَعْيَنت المدرسةُ العربية في الفلسفة والفكرِ أوالية الانبهار، ومن ثم أواليات الامتصاصِ التامّ اللاسويِّ وإذابةِ الأنا في الأنتَ أو إفناءِ الآخر في الذات، فكذلك وَعْيَنت الطَّرَفَ أو القطبَ النقيضَ لذلك كله؛ أي لأوالية وإرادةِ الاستعلاء تجاه العقلِ الهنديِّ منظوراً إليه، او مُتعامَلاً معه، بغير إحترام، وبنقْصٍ في المحبة، أي بإبعادٍ ومنطقٍ أحاديٍّ إقصائي غير متعاطفٍ مع الحقوق والحريات المميِّزة للإنسان والفعلِ والقول.

      تُكرِّسُ المدرسةُ الفلسفية العربية، ضمن ميادينها، ميداناً خاصاً بالهنديات. فهذا الميدان يُحلَّل ويُحاوَر، ونتبادل معه التضافر والانفتاح والتفاعل بنفس الحِدّة والجدِّيةِ اللتَيْن بهما معاً نَتَحاور ونتعاطى مع الفلسفة الغربية، لا سيما مع الرابوع الفلسفي الألماني؛ ومع تجارب أمم أخرى في داخل الدار العالميةِ للعقل والكُلّيات، للأَيْسِيّاتِ والمعرفيات وللخيرِ، كما للسعادة والحرية والمعنى.

      ...فيما عنى العقل الصينيُّ، على خريطة العقلِ البشريِّ أو في دارهِ المسكونية، يُلاحَظ أنّه يواصل قفزاته البَطَليةَ التي أسقطت أسْطرة العقل الغربي لنفسه، ومركزانيتَه، وبَطْلَنتَه لحضارته ومعناه، لتاريخه ومقاله، لمعجزاته وخرافاته.

 

II.          لاكان وعلاجه النفسي في لبنان

Névrose et Thérapeutie Indo-Islamique de LACAN

à Beyrouth, 1973

 

1.  الانجراحات النفسية والروحية للانسان المعاصر، لمجتمع الثورات في العلوم والاتصالية والتكنولوجية المعقّدة(1)، تجد علاجاً ما، او تبلسماً، باللجوء الى نداءات التصور الهندي للمأساة البشرية وأمراض العصر هذا، وما بعد هذا العصر، وما بعد هذه الحداثة، وما بعد البَعدات المتكاثرة أبداً.

 

2.  مرّ في التجديدات السابقة، من هذا الكتاب، أني عالجتُ كثيرين، ومنهم اكثر من شخصية "كبيرة"، منبّهاً الى أن يكون العلاج والاسترخاء بطرائق تثبت نجاعتها الرؤية والمنهجية الهندية التي يقولها الانسان العربي [وحتى الدهمائي، العوّامي] في دعوته المغموم والمكتئب والمضطرب المأزوم الى الروحاني، والتخلي، وتطهير النفس؛ "والى فكّ الارتباط مع التنافسي والصراعي والامتلاكي..."(2). لا أتوسع هنا، ولا في ذلك "اللون" من العلاج الهندي، او الصوفي الاسلامي، الذي هو غير مجهول في اوساط الكاتبين والمهتمين بالعلاجات الايزوتيرية، الايحائية، السحرية، السرية والاستسرارية، الما بعد علمنفسية(1).

 

3.  لعل من أشهر من شاء اعتماد علاج نفسه من الاكتئاب، والقلق والوهن او الانجراحات العصابية بعامة، لاكان؛ ذلك المُعيد لقراءة فرويد، ومؤسّس المدرسة اللاكانية في التحليلنفس (LACANISME).

 

       ارتحل، في آب 1973، لاكان الى لبنان. من قراءة صوره التي ظهرت في الصحافة، والمجلّيات (قطاع المجلات) اللبنانية، توجسّتُ، أنا، ولا أقول شخّصتُ، تأثّره بأزمة نفسية ما. لقد لمحتُ على وجهه الانقفال، والأسى، او الشدّة، او الاضطراب واللاسوائية في الصحة النفسية وفي ارادة الحياة... ثم انتقلت الى تشخيص اصابته باكتئاب، بانهدام وخَوَر، بقلق دفين، بانجراح ما سهلت معرفته بعد معرفتنا بأنه أبٌ مفجوع و"يائس قلق" امام الموت والخوف على المصير:

       عصاب "فقدان العزيز" عند لاكان، هو ما تأكّد لي حين وُجد [=كان] في لبنان إثر موت ابنته في حادث سير. فخسارته لابنته أصابته بالشعور بفداحة الفاجعة، ولا سيما – بحسب توصيفاته لمُصابه الأليم- بالشعور بالوحدة.

 

       لاكان في علاجه الذاتي: كانت مقابلة لاكان لمنبهر لبناني بالفكر الهندي قاصدةً لأن تكون، على غرار ما جرى مع لامرتين او رينان، تاريخيةً او مثيرة، وتسجّل في عداد رحلات فرنسيين مشهورين الى الشرق. وهناك مقصود آخر؛ فإلى ما قلنا انه رغبة استبذاجية استعراضية عند لاكان، يضاف أن هذا فكّر كثيراً في أن "عصاب فقدان العزيز" – الذي هيأ له صراع مأزمي داخل الوعي بل واللاوعي – قابل للعلاج الذاتي ليس باعتماد المنهج الفرويدي بقدر ما تحققه العلاجات بالنزهات والرحلة خارج الذات وخارج المكان المؤسّس للاكتئاب، وبالقراءة والغرق في العمل...(1).

 

       تأثير يونغ على لاكان فعّال ولكن مطمور. فأنا أظنّ هنا أن اهتمام لاكان بالهنديات (الهند، الفلسفة الهندية والنظرية الهندية في الالم والخسارة وقهر المخاوف...) قابل لأن يعاد الى احد تأثيرات ك.غ. يونغ (المحجوبة) عليه. لقد كان يونغ شديد الاهتمام بالتصوف والرّمازة، وبالتأويليات والحدسيات، وبإمكانات وقدرات خطاب الهنديات والعرفانيات في الصحة النفسية والعلاجنفس وإنقاذ البُعد الروحاني في الانسان.

       مشاعر الغربة والهجران والحنين، عند مصطفى صفوان، ملتبسة ومقموعة بل هاجعة. كنت قد تتبّعت صفوان، تحوّلاته واسئلته ونصّه، قبيل "اهتداء" ومرض ثم رحيل لاكان "بَطَله" او الرّجل الاول عنده. لم ألاحظ أن صفوان شخصية مرحة، متبسّمة، مرتاحة مع الحقل والغير والحياة. تُرى هل كانت تؤلمه مشاعر الهجران والمتروكية، والقلق أمام المستقبل وفي الوجود والضغوط الاجتماعية؟ كأنه مصاب بالاكتئاب. ولاح لي أنه من الممكن أن يتداوى بالطرائق الهندية، بالهنديات، بالتحول الى إشهار القطيعة المتعرّجة الوصْلية مع فرويد ثم مع لاكان... لا بأس في أن يعود "صفوانُنا" الى المدرسة العربية في التحليل النفسي، الى الرّحم الخصب والخلاق والحرّ، الى اللغة والذات، الى الأب المتعَب الحامي والأم الحانية والفردوس العَدَني مُمَثَّلاً بالتراث(1).

       أخيراً، وكخلاصة، نستطيع تكرار التنبّه الى العلاجنفس القائم على الاسترخاء، وعلى تخفيف اللهاث القاتل وراء الاقتناء والاستهلاك، والاشباع المتفاقم للملذات "الجسدية" والحاجات المصطنعة... لا نستطيع الفكاك من الحسابي والتبادلي، ومن الضوضاء والاجهاد المادي والركض وراء المال والعمل وما تولّده التكنولوجيا والعلوم الثائرة والحياة المعاصرة، ومن تراجع الروحاني والكينوني والانساني في الانسان... في هذا الهدر، في تلك الشروط او الحقل، قد يكون نافعاً النظر في إمكان صياغة نظرة جديدة في الانسان وحقله قد تمنح الاطمئنان الاعمق، والصفاء النفسي، و"هدوء البال"، وتقليص التوترات والشدّة، كما الازمات النفسية والصراعات داخل الأنا ومع الآخر وفي التفاعلية مع العقل الكوني وتداعيات العولمة (را: زيعور، التحليل النفسي لشخصية لاكان <Lacan's neurosis>؛ تراجعه عن الفرويدية مع الاهتمام بالفلسفة والروحانيات)(2).

 



*  Cf. A. ZAYOUR, LACAN ou le dernier dissident de Freud et le grand disciple de C.G. Jung.

من مقدمة كتاب: الفلسفة العملية والنظرية في الهند والصين، بيروت، النهضة العربية، 2006.

(1) سبق أن لحظنا القوانين، او الروابط المشتركة، بالمعنى الحاكِم في العلوم الانسانية، فاعلةً مؤثرة في: ما بين الحضارات، ما بين الاقلية والاكثرية، ما بين العلائقية الافقية وعلائقية السيطرة، ما بين الجلاّد والضحية... ايضاً، قال: الحُجج التي يعتمدها، في كل ثقافة، السلفي والاصولي والمتمر، قا: الأنماط الأرخية أو اللاوعي الثقافي العربي.

(2) قا: العلاج النفسي بالتنفيس او التطهير النفسي، وبتفريغ المكبوت او تصريفه واعادته الى الوعي ثم الى ارادة الشفاء والسيطرة، او الى الضبط والتثمير والصيانة.

(1) تكلمنا عن ذلك في محاضراتنا عن العلاجنفس العربي في مجال العودة الى الطبيعة والبُعد الروحاني للانسان، والى الحكمة او التجربة الشعبية في المعالجة بواسطة الايمان والمتخيّل وارادة الشفاء... ايضاً، را: ما كتبناه في تحليل ونقد الاساليب العربية الاسلامية والممارسات المعهودة في العلاج واستعادة التوازن النفسي او في الصحة الاجتماعية المتوعّكة المتعثرة.

(1) يُعدّ الشعور بالوحدة أبرز السّمات التي يتصف بها الوعي بخسارة الحبيب. فابن خلدون، الذي شخّصتُ وقوعه في ذلك العُصاب، انعزل عن العالم او تخلى وانقطع... وانزوى في قلعة؛ ثم شغّل نفسه، على نحو اغراقي، في القراءة والكتابة والتعبّد كأسلوب في العلاج الذاتي للأعراض الاكتئابية، والتِياث [=إنمراض] الأنا، ومفاعيل الحِداد الحادّ.

(1) سنعود، أدناه، الى النظر في انفتاح لاكان على الهنديات، وفي الاختمار البطيء داخل لاوعيه وخطابه لرغبته المزدوجة: القطيعة مع فرويد وطيّ "اللاكانية الفرويدية"؛ ثم اشهار تحوّله الى يونغ بل الكشف عن ارادة العودة الى الفكر الفرنسي المحافظ المؤمن.

(2) را: زيعور، العلاجنفس العربي بحسب الاساليب الهندية الاسلامية ومقارنةً مع يونغ ((C. G. Jung.

(1) يُعدّ الشعور بالوحدة أبرز السّمات التي يتصف بها الوعي بخسارة الحبيب. فابن خلدون، الذي شخّصتُ وقوعه في ذلك العُصاب، انعزل عن العالم او تخلى وانقطع... وانزوى في قلعة؛ ثم شغّل نفسه، على نحو اغراقي، في القراءة والكتابة والتعبّد كأسلوب في العلاج الذاتي للأعراض الاكتئابية، والتِياث [=إنمراض] الأنا، ومفاعيل الحِداد الحادّ.

(1) سنعود، أدناه، الى النظر في انفتاح لاكان على الهنديات، وفي الاختمار البطيء داخل لاوعيه وخطابه لرغبته المزدوجة: القطيعة مع فرويد وطيّ "اللاكانية الفرويدية"؛ ثم اشهار تحوّله الى يونغ بل الكشف عن ارادة العودة الى الفكر الفرنسي المحافظ المؤمن.

 
(2) را: زيعور، العلاجنفس العربي بحسب الاساليب الهندية الاسلامية ومقارنةً مع يونغ ((C. G. Jung.